سليم نصّار
بعد استعراض قوتها الصاروخية، وافقت ايران على الجلوس الى طاولة الحوار مع الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، اضافة الى المانيا، من اجل التفاهم على موضوع سلاحها النووي.
ويبدو ان توقيت الاعلان عن المشروع السري الذي شيّده الايرانيون بالقرب من مدينة "قم"، كان السبب في موافقة الرئيس محمود احمدي نجاد على الكشف عن المنشأة التي أخفيت عن رقابة الوكالة العالمية للطاقة النووية منذ عام 2005. وعلى رغم السرية التامة التي أحيط بها الموقع، الا أن الصحيفة الايطالية "كوريرا ديلاسيرا" نشرت الاسبوع الماضي كامل التفاصيل عن هذه العملية المعقدة.
وذكرت ان عناصر تابعة لأجهزة الاستخبارات الاميركية والاسرائيلية والالمانية، توصلت الى اكتشاف عملاء ايرانيين كانوا يشترون اعتدة مطلوبة لتخصيب الاورانيوم، ومن طريق زرع ادوات تجسس في حقائبهم والادعاء بتمثيل شركات وهمية للتكنولوجيا المتطورة، حصلت الاستخبارات الغربية على المعلومات المطلوبة. وقالت الصحيفة ان طهران اتهمت قبل نصف سنة، شخصاً يدعى علي أشتري، بتنفيذ مهمات متعلقة بالمشروع النووي نقلها الى "الموساد" الأمر الذي تسبب في اعدامه.
اضافة الى عملية التضليل والملاحقة، فإن جماعات المعارضة الايرانية ساهمت ايضاً في تحديد مكان المنشأة النووية. وقد اختارت الدول الغربية منبر الأمم المتحدة كي تعلن للرأي العام العالمي عن هذا التطور بواسطة الرؤساء: باراك اوباما وغوردن براون ونيكولا ساركوزي.
الرئيس اوباما قال ان على ايران ان تعرف مدى التزامها بصدق محادثاتها تجاه العالم الموحد في مطالبه منه. أما الرئيس ساركوزي فقد حذّر من احتمال قيام مجلس الأمن بجولة جديدة من العقوبات المشددة. في حين صرح رئيس وزراء بريطانيا براون ان حجم المنشأة لا يتساوى مع الادعاء بأنها ستستخدم للاغراض المدنية.
في تعليقه على انتقاد الزعماء الثلاثة، قال الرئيس محمود احمدي نجاد في لقاء مصغّر مع الصحافة الاميركية، ان اوباما سيندم على تسرّعه في الادعاء بأن ايران تخدع الاسرة الدولية. نحن لسنا خائفين. ستأتي وكالة الطاقة الدولية لتكتشف ان المنشأة الجديدة مجهزة بقدرات نووية صالحة لانتاج الكهرباء.
ومع ان طهران أخفت منذ عام 2005 كل المعلومات المتعلقة بهذه المنشأة، إلا أنها سارعت اخيراً الى تزويد الوكالة معلومات تفيد ان الهدف من انشائها ينحصر في عملية انتاج الكهرباء فقط.
المنشأة الجديدة – كما تصفها وكالة الطاقة الدولية – شيّدت بالقرب من مدينة "قم" في منطقة جبلية نائية تقع جنوب غرب ايران على مسافة 160 كليومتراً من طهران. وتعتبر "قم" من حيث أهميتها، المدينة الثانية في ايران والعقل المركزي للاسلام الشيعي. وفيها يعيش ويحاضر معلم الرئيس نجاد آية الله محمد تقي مصباح اليازدي، المعروف بتطرفه وتأييده لطروحات تلميذه. وفي شهر شباط 2006 كان اليازدي اول من وقّع الفتوى القائلة انه لا يوجد مانع شرعي يحرّم استخدام السلاح النووي ضد أعداء ايران!
ولكن، من هم أعداء ايران؟
يجمع المراقبون على القول ان ايران ليست دولة مارقة وغير عقلانية. وأنها تسعى من وراء التسلح النووي الى تنفيذ سياسة خارجية ثورية وعدائية هدفها تصدير الثورة. ومع ان مرشد النظام علي خامنئي يعتبر راديكالياً بالمقارنة مع زعماء الملالي، الا انه انتهج سياسة خارجية أقل تصلباً وتطرفاً. وعندما رفع الرئيس نجاد مستوى التحدي للدولة العبرية في صيف 2006، قابله خامنئي بلهجة تطمين اختصرها بالقول: "ان ايران ليست خطراً على أحد حتى على الكيان الصهيوني". وكان بهذا الكلام يذكّر بموقف بلاده من مبادرة السلام العربية التي طرحت في مؤتمر بيروت 2002 وكيف ان وزير خارجيته أيدها مع التحفّظ.
ولكن اسرائيل تنظر الى السلاح النووي الايراني من منظار خطر الإبادة الجماعية. وفي خطاباته وصف بنيامين نتنياهو ايران بأنها نسخة جديدة عن المانيا النازية لأن رئيسها نجاد يقلّد هتلر في تهديداته. وفي حديثه الى مراسل مجلة "اتلنتيك" جيفري غولدبرغ، حض نتنياهو الرئيس أوباما على منع ايران من الحصول على السلاح النووي، وإلا فإن اسرائيل – الواقعة تحت التهديد – ستضطر الى مهاجمة المنشآت النووية الايرانية. وقد حاولت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون وقف حملة التصعيد من طريق تحذير الكونغرس، بأن الحرب لا محالة واقعة اذا لم تتقدم اسرائيل في المسيرة السلمية مع الفلسطينيين.
يجزم العسكريون بأن اسرائيل ستجد صعوبة بالغة في مهاجمة ايران من دون ضوء اخضر اميركي. ولكن نتنياهو يعرف جيداً ان الرئيس اوباما لن يأمر باسقاط الطائرات الاسرائيلية وهي في طريقها الى ايران... أو يجمد المساعدات مثلما فعل سلفه الرئيس جورج بوش الأب. ويتوقع المحللون انفجار الموقف في حال فشلت الوسائل الديبلوماسية في ايجاد الحلول المقنعة للطرفين، خصوصاً ان وجود نتنياهو على رأس الحكومة، يعطي خيار الحرب اسباباً اضافية لاقتناعه بأنه مكلف بانقاذ الشعب اليهودي من الهلاك، تماماً مثلما فسر مناحيم بيغن قرار مهاجمة المفاعل النووي العراقي.
الطبقة الحاكمة في طهران تضع في حساباتها احتمال قصف اسرائيل منشآتها النووية، مثلما تتوقع من الاميركيين والاوروبيين احتمال فرض حظر واسع على تجارتها النفطية. وهي تزعم ان هذه المخاطر لا تخيفها ولا تربكها، خصوصاً انها تتطلع الى خلافها مع اسرائيل كنزاع ايديولوحي سيعمر طويلاً. ولكن قلقها الحقيقي ناتج من مخاطر سقوط جارتها باكستان في قبضة اسلاميين سنة مقربين من "طالبان". وهي ترى ان حدوث هذا التغيير الاستراتيجي عصي على الحل. ذلك ان مثل هذا الانقلاب المحتمل يمكن ان يضع ايران الـ73 مليون نسمة في مواجهة باكستان الـ180 مليون نسمة، بالاضافة الى افغانستان "طالبان". ومعنى هذا ان الحكم في ايران سيضطر الى اعلان حال استنفار دائمة عبر حدود مشتركة يزيد طولها على 978 كلم. ويرى علي خامنئي ان تحقيق هذه التوقعات يهدد وحدة ايران الوطنية ويربك طموحاتها الاقليمية ويعزز حركات الانفصال بين الاكراد والبلوش والاقلية السنية. لهذه الاسباب وسواها رحبت طهران بالقمة الاستثنائية التي جمعت أحمدي نجاد وحميد كرزاي، رئيس افغانستان وآصف علي زرداري، رئيس باكستان.
المعروف ان تعاطي الرئيس أوباما مع الرئيس نجاد يختلف في الشكل والمضمون عن تعاطي سلفه بوش الذي صنف ايران في طليعة "دول الشر" وبعد مرور ثلاثين سنة تقريباً على العداء المستفحل بين واشنطن وطهران، دعا اوباما الى اجراء حوار مع طهران من دون شروط مسبقة. واعترف في الخطاب الذي القاه في القاهرة بحق ايران في استخدام طاقتها النووية للاغراض السلمية. وأعلن أن بلاده لن تؤيد اي هجوم ضد ايران. وبعد اعترافه بالدور السلبي الذي لعبته اميركا اثناء اسقاط رئيس الوزراء محمد مصدق عام 1953، أوصى بضرورة توجيه الدعوات الى سفراء ايران لحضور احتفالات اليوم العالمي الاميركي.
على هامش الاحساس الشعبي بأن أكبر دولة شيعية في العالم تحتاج الى قنبلة شيعية أسوة بقنابل الدول المسيحية والسنية والبوذية واليهودية، فإن الهجوم الاساسي الذي يشنّه أحمدي نجاد ينطوي على أغراض أخرى. ذلك ان ابرام اتفاق سلام فلسطيني – اسرائيلي من شأنه ان يضعف نفوذ ايران في المنطقة ويلغي دورها الشرق الأوسطي الذي توظفه في الدعوة لاسترداد القدس، كما يلغي تلقائياً الحاجة الى دعم "حزب الله" و"حماس" بالعتاد والمال. هذا، مع العلم بأن الرياض والقاهرة وعمان رفضت توجيه ضربة عسكرية الى المنشآت النووية الايرانية لأن تداعيات هذا العمل ستلهب المنطقة كلها.
اضافة الى هذا المعطى، فإن انتاج قنبلة نووية هو عامل توحيد واصطفاف وراء النظام. وكما وقف الرئيس السابق محمد خاتمي ليؤيد انتاج القنبلة، هكذا وقف زعيم المعارضة حسين موسوي ليعارض فرض عقوبات على طهران. ومن المتوقع ان يتراجع زعماء المعارضة عن مواقفهم المتشددة في حال تعرضت ايران للعقوبات والعزل والحصار.
في محادثات جنيف، ذكّر المندوبون بحيثيات القرار الذي تبنّاه مجلس الأمن، وبالفقرة التي تقول: "في حال عدم امتثال ايران لمشروع القرار، يعرب المجلس عن نيته اتخاذ تدابير ملائمة بموجب المادة 41 من الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة".
كبير المفاوضين الايرانيين سعيد جليلي، وصف اجتماع جنيف بأنه فرصة لاختبار نيات الآخرين تجاه بلاده. وقال: انه "سيدخل المحادثات بنيّة طيبة" مشدداً على "قدرات ايران الوطنية والاقليمية والدولية من أجل استتباب الأمن وتنمية التعاون المبني على السلام والعدالة".
ويستدل من التصاريح التي صدرت عن القيادة الايرانية ان جليلي لن يقدم التنازلات التي تتوقعها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا واسرائيل. وهي ترحب بأي نوع من العقوبات لايمانها بأن العالم يحتاج الى ايران اكثر من حاجة ايران الى العالم. ويرى علي خامنئي ان بلاده تُعتبر سوقاً مغرية لأكثر من سبعين مليون مستهلك، معظمهم من الشباب، كما ترى فيها الصين والدول الاوروبية مصدراً للطاقة والغاز، ربما يكون البديل من روسيا.
في مداخلة علنية اقترح رئيس أركان القوات الاسرائيلية غابي اشكنازي على الدول المعنية، ضرورة ممارسة عقوبات صارمة تضع احمدي نجاد أمام خيارين: معمر القذافي أم صدام حسين!
وكان بهذا الكلام يعيد الى الذاكرة الشرط الملزم الذي فرضته اسرائيل على جورج بوش الابن، عندما ربطت موافقتها على مشروع السلام مع الفلسطينيين بشروط ازالة نظام صدام حسين!
والمؤكد ان اسرائيل تتوقع من محادثات جنيف مخرجاً لازمتها مع ايران، لا فارق أكان من طريق العقوبات الصارمة أم من طريق الحرب. وفي الحالين تظهر عملية انقاذ اسرائيل كفخ لفرض حصار نفطي يمكن ان يعيد سعر البرميل الى مئتي دولار. وفي هذه الحال، يكون ثمن تطمين اسرائيل اغراق العالم في أزمة اقتصادية ثانية يصعب على اوباما وحلفائه، تجاوز تداعياتها الخطرة!
*نقلاً عن صحيفة "النهار" اللبنانية |
