السيد ولد أباه
يميل الفكر الاستراتيجي الأميركي إلى استخدام النماذج النظرية في بلورة الأطر التحليلية للحدث السياسي، على الرغم من هشاشة وضعف المبحث الفلسفي والدراسات الفكرية المجردة في الثقافة الأميركية .ومن أمثلة هذه المقاربات الأخيرة مقالة مطولة للكاتب والصحافي المعروف "روبرت كابلان" في مجلة "فورين بوليسي" الأميركية، بدأت تستثير جدلا متنامياً في الأدبيات الاستراتيجية الأميركية.
تنزع دراسة "كابلان" بوضوح إلى الدفاع عن نهج "الواقعية" في الرؤية الاستراتيجية الأميركية بعد عقدين هيمن فيهما على مراكز القرار الطموح إلى "إصلاح" العالم وحمله على قيم الحرية والديمقراطية، وبالتالي استبدال خريطة الصراع الطبقي في مرحلة الحرب الباردة بنظام دولي يقوم على الشرعية والقانون والعدالة.
ويستند "كابلان" في دفاعه عن الخط الواقعي لما يسميه "بثأر الجغرافيا" التي هي العامل الحاسم والحقيقة المحددة في المعادلة الجيوسياسية، بما تكرسه من معطيات ضاغطة تضفي طابع النسبية على حرية الإنسان واختياره.
ويرى "كابلان" أن العولمة الجارية قد جذرت قبضة الجغرافيا، وأفضت إلى خلق عالم صدامي يتشكل من مناطق صغيرة متناثرة تقوم فيها هويات محلية عرقية ودينية لا يمكن أن تفسر إلا بثوابت الجغرافيا وحقائقها المحددة، ولا تفيد في استكناهها اصطلاحات العلوم السياسية المألوفة.
وإذا كان "كابلان" يحيل إلى المؤرخ الفرنسي المعاصر "فرناند بروديل" في أطروحته الشهيرة حول "التاريخ البطيء" (زمن السلاسل والبنيات الطويلة)، فإن أطروحته تعتمد بالكامل على دراسة للجغرافي البريطاني "السير هالفورد ماكيندر" كتبها في مطلع القرن الماضي بعنوان "الدعامة الجغرافية للتاريخ"، ينطلق فيها بوضوح من القول"إن الإنسان على عكس الطبيعة هو الذي يمتلك سلطة الخلق، بيد أن الطبيعة هي التي تحكم إلى حد بعيد".
ومن هذا المنطلق يعيد "كابلان" تطبيق منهج "ماكيندر" في قراءة النظام الدولي في ثوابته الأساسية، التي هي تمحور الخريطة الاستراتيجية الدولية حول دوائر ثلاث فاعلة هي روسيا وأوروبا الوسطى وآسيا الوسطى، في حين يعتبر بقية المناطق مجالات هامشية تابعة وغير مؤثرة.
وبالنسبة له لم تتشكل الحضارة الغربية تاريخياً إلا كأثر لمواجهة الغزوات الآسيوية المتواصلة. فأوروبا الثقافية لاحقة على أوروبا الجغرافية من حيث هي شبكة معقدة من المرتفعات والهضاب وشبه الجزر تحدها من الشمال الثلوج، والمحيط من الوسط، والبحار والصحراء من الجنوب، وتواجهها الهضبة الروسية الهائلة والخطيرة من الشرق. ولقد تعرضت أوروبا طيلة تاريخها لموجات متلاحقة من غزوات البدو الرحل الذين نفذوا إليها من هذه الثغور الهشة. ومع أن روسيا محمية طبيعياً بغاباتها ضد الغزوات الخارجية، إلا أنها تعرضت في القرن الثالث عشر للهجمات المنغولية المدمرة، فبقيت في معزل عن النهضة الأوروبية، في الوقت الذي تمكنت أوروبا من التوسع خارج فضائها الإقليمي فوصلت إلى جنوب آسيا والى العالم الجديد. وفي القرن التاسع عشر تضاعف الحضور الأوروبي في الشواطئ الجنوبية للفضاء الأوروآسيوي خصوصاً بعد فتح قناة السويس، في نفس الآن الذي توسعت روسيا بفضل السكك الحديدية في المنطقة الوسطى من الفضاء ذاته.
وهكذا يفسر "كابلان" الصدام الروسي- الغربي بمعطيات جغرافية محددة، تتجاوز الطابع الأيديولوجي الذي طبعه خلال الحرب الباردة. ويرجع حروب القوقاز والعراق وأفغانستان الأخيرة والصراع الروسي- الجورجي الحالي الى الاعتبارات نفسها.
بيد أن الجزء الأكثر غرابة وخطورة في تحليلات "كابلان" هو المحور المتعلق بخريطة النزاعات الدولية القادمة المتولدة عن ما دعاه بأثر "تقلص" خريطة الفضاء الأوروآسيوي الناتج عن العوامل التكنولوجية والديموغرافية، وتناقص الثروتين النفطية والمائية، وما يتولد عن هذه المعادلة من بروز أيديولوجيات متطرفة عدوانية. وستتركز المخاطر المذكورة في منطقة الشرق الأوسط الكبير التي تربط بين العالم المتوسطي وشبه القارة الهندية.
ويقف "كابلان" في هذا السياق عند بؤر توتر ثلاث رئيسية تنضاف إلى المجال الشرق أوسطي بدلالته الضيقة هي:
- شبه القارة الهندية التي تحدها من الشمال جبال الهمالايا ومن الشرق الغابة البرمانية ومن الغرب نهر السند الفاصل بين باكستان والهند، وهو مركز المخاطر كلها، حيث تشتعل الصراعات العرقية والدينية، وتواجه بلدان كبرى (باكستان وأفغانستان...) شبح التفكك والفتنة الدامية.
- منطقة الهلال الخصيب القابعة بين البحر الأبيض المتوسط والهضبة الإيرانية، حيث توجد بلدان حديثة النشأة (العراق والأردن وسوريا...) تواجهها الصراعات العرقية والطائفية المدمرة. ويعتبر "كابلان" أن تركيا مرشحة كما في السباق للهيمنة على هذه المنطقة التي تتحكم في مواردها المائية.
النواة الفارسية التي تمتد من بحر القزوين شمال إيران إلى الخليج جنوباً. وتحتوي هذه المنطقة على أهم مخزون نفطي في العالم. ويذهب "كابلان" إلى أن إيران هي الدولة "المنطقية" الوحيدة في المنطقة لأن حدودها تتلاءم بصفة طبيعية مع معطياتها الجغرافية: جبال وبحار في الشمال والجنوب وصحراء ممتدة شرقاً على الحدود الأفغانية، مما يمنحها القدرة على حماية نفسها وتأمين فضائها الحيوي، كما أنها دولة قومية عريقة وقوة إمبراطورية ذات جذور ضاربة في التاريخ.
ويخلص "كابلان" من هذه القراءة الجيوسياسية للوضع الدولي إلى أن النزعة الكونية الليبرالية التي تقوم عليها الدبلوماسية الأميركية لابد أن تراعي هذه المعطيات الموضوعية التي لا دخل للقيم والأفكار فيها.
وغني عن البيان أن هذه الأطروحة التي تأخذ غطاء علمياً هي في الواقع تعبير عن موقف سياسي آني، ومحاولة لتقديم صياغة نظرية مقبولة لاستراتيجية التدخل العسكري الأميركي النشط في الساحات الدولية الملتهبة إثر فشل المقاربة الأيديولوجية لـ "المحافظين الجدد". وقد قوبل مقال "كابلان" برفض واسع في الدوائر العلمية، ورد عليه في مجلة "فورين بوليسي" ثلاثة من كبار الجغرافيين (سيمون دالبي وجيرار توال وجون موريسي)، الذين عابوا عليه استناده لأفكار "ماكيندر" العنصرية المتهافتة، واعتبروا مقولة التحديدية الجغرافية أطروحة "بدائية متجاوزة" تنتمي لمناخ القرن التاسع عشر.
وليس من همنا بسط القول في أطروحة "كابلان" الجديدة، التي من المرجح أن تفجر جدلا واسعاً في الإعلام العربي، وإنما حسبنا الإشارة إلى أنها تشكل تراجعاً خطيراً في العقل الاستراتيجي المعاصر، الذي تأسس على مرجعية التاريخ بصفته أفقاً للدلالة ومرجعية للفعل وتعبيراً عن حرية الإنسان المبدعة. والملاحظ أن الفكر "اليميني" الأميركي المتطرف بعد أن اخفق في بناء قاعدة أيديولوجية لمشروع "الحرب الدائمة" يسعى راهناً لإعادة الاعتبار للبراديجم الواقعي لبلوغ الهدف ذاته...بعد أن بدا من الجلي أن الموقف الواقعي يقتضي الخروج من مأزق الحروب التي أشعلتها الإدارة الأميركية السابقة.
* نقلاً عن "الاتحاد" الإماراتية
