هاني نسيرة
كان آخر لقاء بيننا منذ ما يقرب من عام في أبو ظبي، في المنتدى السنوي لجريدة الاتحاد الإماراتية، كان الملأ جميلا مكتظا بالأفكار والأصدقاء الأعزاء، ولكنه محمد وأي محمد هو، إنه النموذج النبيل الذي نرنو إليه حين نصفو، ونلوم أنفسنا به حين نخطئ، إنه محمد السيد سعيد المفكر والإنسان، تحلقنا حوله وهو أستاذ بيننا، وكان بيننا من في مثل سنه أو يزيد!
كان سعيدا بجيله ومعتزا بأصدقائه وأساتذته، يقول لنا وهو يبتسم: كنت صغيرا وخريجا طازجا حين كان السيد يس يطلب مني أن أحاضر في مركز الدراسات حول مفهوم التضخم الاقتصادي، وحول الشركات العابرة للقارات، ويسترجع بعضا من جلساته مع الدكتور زكي نجيب محمود والأستاذ طارق البشري وعادل حسين وأبو سيف يوسف حين كانت عامرة بالكبار والعظماء، كنت أسمع وأقول في نفسي ستظل جميلا نبيلا.. ستظل كما أنت!
كلما تذكرت كلمة من قال لا نزهة أجمل من التنزه في عقول الرجال، تذكرت محمد السيد سعيد، فأنت حين تسمعه وتجالسه أو تقرأه تعرف أنه ليس أجمل من العقل شيئا، وأنه ما خلق الله شيئا أحب إليه منه كما جاء في الآثار!
كان محمد السيد سعيد مفكر الحركة الطلابية بينما كان الآخرون زعماءها، وكان محمد السيد سعيد مفكر حركة حقوق الإنسان المصرية الأول بينما كان الآخرون نشطاءها، كما كان محمد السيد سعيد المفكر الموسوعي بامتياز، فإذا سمعته يتحدث في الفلسفة فأنت أمام فيلسوف وإذا سمعته يتحدث في السياسة فهو المفكر السياسي المحلق، وإذا سمعته يتحدث في الموسيقى فأنت أمام ناقد موسيقي من الطراز الأول.. ذهبت مجهدا للصديق العزيز الدكتور جمال عبد الجواد، حين كنت أعمل مساعدا للدكتور محمد السيد سعيد في تحرير مجلة رواق عربي آواخر التسعينيات، المجلة الأولى في مجال حقوق الإنسان عربيا، وقلت له لا أستطيع أن أجاري هذا الرجل، إنه عميق في كل شئ، يفهم المغني للقاضي عبد الجبار المعتزلي كما يتكلم عن فقه المقاصد عند الشاطبي، والمحنة لابن حنبل، كما يفهم الموسيقى القبطية ويطير ويؤسس في الفلسفة السياسية، أنا لست أهلا أن أكون مساعدا له، وعلى أن أكون صادقا مع نفسي وأترك العمل، فضحك الصديق الدكتور جمال، وقال لي: هذا هو محمد السيد سعيد! وهكذا كل من عرفه!
ومن أراد فليقرأ اتساعه متوزعا في الاقتصاد كتابه الرائد حول الشركات العابرة للقارات، وفي السياسة ما كتبه حول مستقبل النظام العربي بعد حرب الخليج، وفي الفكر دراساته حول النزعة الإنسانية والإسلام وحقوق الإنسان، وتحديات الثقافة العربية، وحكمة المصريين، والحوار مع الحركات ذات الإسناد الديني، وفي الموسيقي ما كتبه حول الموسيقي القبطية في مصر، والتعليم التكنولوجي والتنمية المستدامة... كثير كثير متسع.. يتعب من عرفه ويريح من جاء بعده!
شرفت بتقديم الدكتور محمد لكتابي حول" الدكتور محمود عزمي رائد حركة حقوق الإنسان في مصر" سنة 2003 وقال في تقديمه أنه وجد كثيرا من محمود عزمي في شخصه، استقلاليته وإخلاصه لقناعاته وإيمانه بحقوق الإنسان وتأسيسه أول منظمة مصرية لحقوق الإنسان سنة 1930 ضد حكم صدقي وانقلابه الدستوري، كان سعيدا بحماسي لمحمود عزمي دافعا لي على الانتهاء، ومصححا بتواضع جم لبعض أحكامي الحادة في تقييم الرجل بين ليبرالي عصره، وكنت أقول في نفسي: يا ترى من يكتب كتابا عن محمد السيد سعيد يوما!
لم يكن محمد السيد سعيد من هؤلاء المماليك الذين يبحثون عن سيد يملكهم ويرعاهم، فقد كان سيدا لا تعنيه سوى قناعاته التي يقولها بصدق في وجه كائن من كان، من السلطة السياسية أو الثقافية، لست أنسى مشادته مع ياسر عرفات في ندوة بالأهرام حول الفساد في السلطة، وأهمية حقوق الإنسان من أجل استقرارها، كما لا يمكن أن تنسى معارضته ومناقشته الجادة للرئيس مبارك في معرض الكتاب، حين اخترق إجماع التزلف والمجاملة في لقائه بالصحافيين والكتاب المصريين، وناقش مطالبا الرئيس بتعديل دستوري جوهري من أجل التنمية والديمقراطية، ورفض شماعة الإسلاميين، التي تعلق عليها السلطة عطبها الديمقراطي، يمما استفز الرئيس وأغضبه!
حين آمن ب" كفاية" كان عضوا مؤسسا ونشطا فيها، وحين آمن بالبديل، وهو من كتب يوما حول:" إنتاج نخب بديلة" تفرغ لها حتى اخترقه المرض، ولكن صنع تجربة لا شك تركت أثرا رغم قصر عمرها، كان دائما ما يؤمن به! كان مفكرا أخذت السياسة كثيرا من وقته، كما كان سياسيا تعاطى معها دائما بنزاهة المفكر واستقلاليته.
إن محمد السيد سعيد واحد من قلة يمكن القول أنها تنال إجماع النخبة المثقفة المصرية بإخلاصها وتفانيها ونوعية طرحها، ولا شك أن وجود كتابات محمد السيد سعيد وآرائه كان ثراء دائما للجدل الفكري في أوساط هذه النخبة، فقد كانت كتاباته دائما أبعد ما تكون عن التكرار وأعمق ما تكون في عالم الأفكار..
شخصيا عرفت د. محمد كما عرفه كثير من أبناء جيلي، اقتربت منه كما اقتربوا، كان الأب حين فقدنا الآباء، والأستاذ الذي منعنا أن نقول أننا جيل بلا أساتذة، شاركني كثيرا من مشاكلي الخاصة الفكرية والعملية والاجتماعية، كان الصديق الذي يقوي كما كان الأستاذ الذي يرشد ويطور، لم يكن يبخل بمكتبته كما لم يكن يبخل بفكره، وفي كل كان التواضع والدماثة سمته، رحمك الله يا محمد فما عرفت أحدا عرفك إلا أحبك! وأشهد أني كنت أكره أن أراك مريضا ولكن ما نسيت يوما أن أسأل عنك وما برحت أشتاق إليك، أستاذا ومفكرا حقيقيا حين نكاد نفقد الحقيقيين في زمن المسخ!
