د.
جيمس زغبي
أعاد الرئيس الفلسطيني تقرير غولدستون إلى مجلس حقوق الإنسان وبعد ذلك إلى مجلس الأمن بالتنسيق مع حلفائه. الآن وقد عاد التقرير، لم يتغير الوضع كثيرا. نتنياهو، في حديثه أمام الكنيست الأسبوع الماضي، أشار إلى تقرير غولدستون على أنه "تقرير مشوه كتبته لجنة مشوهة تنتقص حق إسرائيل بالدفاع عن نفسها. هذا التقرير يدافع عن الإرهاب ويهدد السلام." وزير دفاعه، إيهود باراك، وافقه الرأي واصفا التقرير بأنه "مغلوط، مشوه، متعنت، ويشجع الإرهاب." ولتضخيم الأمر أكثر، أرسلت منظمة إيباك نقاطا إلى مؤيديها في الكونجرس قائلة إن غولدستون "منحاز ومن طرف واحد"، وانتقدت "نتائج ومنهجية" التقرير. وقال متحدث أمريكي رسمي مستنكرا أن الفلسطينيين اختاروا الخيار الخاطئ..
كان لي الشرف بتناول الغداء منذ بضع أسابيع مع القاضي ريتشارد غولدستون. أقول كان لي الشرف ليس فقط لأنه كان أول قاض عينه الرئيس نيلسون مانديلا للمحكمة الدستورية في جنوب أفريقيا، فهو أسطورة في مجال حقوق الإنسان بسبب عمله في التحقيق والمحاكمة في قضايا جرائم الحرب في يوغوسلافيا السابقة ورواندا. بالرغم من كونه في مركز العاصفة، هو رجل متماسك بشكل كبير. كرجل قانون، كلماته موزونة، ملاحظاته دقيقة، وأحكامه تستند إلى معرفة. كما أوضح في مقابلات عديدة، توسع غولدستون في تفويض مجلس حقوق الإنسان المحدود ليتضمن، في تحقيقاته، ليس فقط حرب غزة، ولكن أيضا الأحداث التي أدت إلى تلك الحرب، وحمل جميع الأطراف مسؤولية تصرفاتها.
من أجل إعداد التقرير، قضى فريق غولدستون وقتا لا بأس به في غزة وأجروا مئات المقابلات، قرأوا آلاف الصفحات من التقارير، عقدوا جلسات استماع عامة في الشرق الأوسط وفي جنيف. حققوا بشكل عام في 36 حادثا محددا، وقدموا تقريرا مفصلا حول النتائج التي توصلوا إليها، وبعد ذلك قدموا أيضا ملخصا لقانون ومواثيق حقوق الإنسان التي يمكن تطبيقها. الكثير من الأحداث التي غطاها التقرير معروفة للذين تابعوا حرب غزة في ديسمبر. فهو يدرس مثلا الهجوم على المستشفيات والمساجد، وقتل المدنيين في غزة الذي تحدث عنه الإعلام كثيرا. التقرير يبحث أيضا في أحداث ليست معروفة بشكل واسع أيضا، العديد منها يغطيها جزء بعنوان "الهجمات على أساس الحياة المدنية في غزة: تدمير البنية الصناعية التحتية، إنتاج الأغذية، منشآت المياه، معالجة التصريف الصحي، ودور السكن".
وشملت هذه الأحداث: التدمير الكامل لطاحونة البدر، التدمير المنظم لمزرعة دجاج صوافيري (وقتل 31000 دجاجة)، وقصف بحيرات مياه المجاري في مصنع معالجة مياه الصرف الصحي في غزة مما سبب تلويث المزارع المجاورة بحوالي 200000 متر مكعب من مياه المجاري. ويستنتج التقرير أن هذه لم تكن أهدافا عسكرية، بل كانت دليلا على "تدمير غير قانوني ومتعمد لا تبرره الضرورات العسكرية" وهي لذلك جرائم حرب. ولم يتم التحقيق فقط في الممارسات الإسرائيلية، فقد تم تحميل حركة حماس أيضا مسؤولية انتهاك القوانين، خاصة بالنسبة لاعتقال ومعاملة جلعاد شاليط، وقصفهم العشوائي للمواطنين الإسرائيليين، واستهدافهم الاضطهادي لمنافسيهم السياسيين في غزة. وتم تحميل السلطة الفلسطينية أيضا المسؤولية عن عدد من أحداث انتهاك حقوق الإنسان، خاصة الاضطهاد والعنف ضد منافسيهم في الضفة الغربية. الآن وقد تم التصويت على التقرير وتحويله إلى مجلس الأمن، تستمر اللعبة. سيرمي الإسرائيليون بنوبة غضب أخرى، وستحاول الولايات المتحدة إلغاء النقاش كله على أساس أنه خيار خاطئ بين حقوق الإنسان والسلام، وسيتدخل الكونجرس الأمريكي بالتأكيد بطريقة لا تساعد الأمر. وستستمر الأطراف الفلسطينية المتنافسة في رؤية التقرير على أنه هراوة يستخدمونها ضد بعضهم البعض.
أجرؤ على القول إنه في الوقت الذي اعتقد فيه كتاب التقرير أنه سيسبب جدلا، إلا أنهم لم يتوقعوا هذه العاصفة النارية. إن عودة التقرير إلى واجهة الأحداث أمر جيد. لكن المشكلة ما زالت كما هي. مع كل المواقف السياسية والجدال الحاد، فإنه على الأغلب، مع الأسف، لن يتم العمل على التقرير، ولن تتم قراءته.
* نقلاً عن "الوطن" السعودية |
