محمد أبوعبيد
إذا كانت تجتاحنا عاصفة من عمليات التجميل الخَلْقِية , فإن تسونامي عمليات التجميل الخُلُقية يضربنا . الفرق أن النوع الثاني من العمليات ليس بحاجة إلى اختصاصيين ,فمعظمنا يجمّل بالطريقة التي يشاء . الأدهى والأمَرّ في هذا الأمْر هو عندما يُطبّق التجميل على عيوب لا يمكن إنكارها ,مثلما لا يمكن للغربال أن يغطي الشمس .
مجتمعاتنا الشرقية مليئة بالعيوب , وكلما تحدث المرء عن أحدها استشاط البعض غضبا ً ظناً منهم أن الحديث عن المثالب يعني إنكاراً للمناقب , وهذا ما يجافي المنطق , فالطيبيب عندما يشخص مرضا ً أو خللا ً في الجسم البشري ,لا ينفي عنه صحة سائر الجسد , ولا أحسب أن تشخيص الخلل أو الاعتلال هو لمجرد الانتقاص من المُبتلى به , إنما من أجل تطبيبه وصولا ً إلى مرحلة الشفاء .
العجب العجاب يتجسد في هؤلاء الذين لا يروْن إلا ضيرا ً أو فسقا ً أو زندقة في إظهار مَواطن الخلل في كياناتنا المجتمعية , ولا يشاؤون سوى إلصاق سمة القداسة عليها وكأننا الوحيدون المخلوقون من صلصال كالفخار ,وغيرنا من نار , وليس لهم مبضع جراحي سوى التذكير بما لا يخفى على أحد وبما يعرفه تقريبا كل أحد , وكذلك التغني بأمجاد الماضي , كأنه يجوز للحاضر أن يستريح أو يستقيل ما دام الماضي قد قام بالواجب , إذنْ , فلْيَمُتْ مستقبلنا إذا كانت المعادلة على تلكم الشاكلة .
لا ينكر المرء ما تحمله الديانات السماوية من شرائع هي في مصلحة البشرية , لكن الديانات لا يمثلها البشر , بل يدينون بها , لذلك عندما نعيب على أنفسنا أمراً , أو نتحدث إسراراً أو جهاراً عن اعتلال فينا , فلا يمس الأمر إحدى هذه الديانات , فهي براء من أي سلوك بشري غير صحي , ويصبح , حينئذ , من غير الشافي ذريعة البعض في إنكار اعتلالنا من خلال الحديث عما جاءت به الأديان .
إذا قُيّض ضربُ مَثل في هذا السياق , يمكن النقر على وتر المرأة الشرقية , فكلما أنّ أحدُنا من وجع حال المرأة الشرقية , انفض البعض من حول صاحب الأنين ,وانتفضوا قائلين غير صحيح ,فالإسلام كرم المرأة ورفع من شأنها...إلخ . نعم ,هذا صحيح ولا ينكره كل من يدين بهذا الدين السمح , لكن العليل هو الفرد , واللوم واقع عليه لا على ما يدين به , لذلك وجب التفريق بين الأمريْن , فلا ذنب للدِين إذا ارتكب رجل مسلم بحق ابنته "جريمة شرف" (عفوا جريمة قرف) لأن الأمر جريمة نكراء بصرف النظر عن محاولات البعض تلطيفها بما يتماهى مع رياح عاداتنا وتقاليدنا , بينما الديانات تنهى عن ارتكاب الجرائم .
عيوبنا تزداد حينا بعد حين , و جعلتنا في مؤخرة الدول , لا نُصنّع , لا ننتج , لا ننافس ,حتى في الألعاب الرياضية التي لا تحتاج إلى تخصيب يورانيوم ولا وقود نووي أو طاقة ذرية ,نَرانا في المؤخرة , فصرنا نهتف للبرازيل , أو ألمانيا , ولجأنا إلى عمليات تجميل خُلُقية بعد أن قوقعنا أنفسنا في أفعال الماضي وأمجاده , فهل يُعقل أن نبقى نرضى بهزائم الحاضر ونجمّل مثالبها , ما دمنا قد انتصرنا في بدْر وحُنيْن والقادسية وذات الصواري .!!!!
