طبـاعةحفـظارسالBookmark and Shareمشاركة
الأربعاء 09 ذو القعدة 1430هـ - 28 أكتوبر 2009م

"بعيد عنك... حياتي عذاب" "سيدة الغناء العربي"

 

د.  أحمد البغدادي

أوتاد
الروتين ضرب في عظم العمل الحكومي حتى أصبح التخلص منه أمراً غير متيسر
ذهبت قبل فترة إلى أحد مراكز خدمة المجتمع لاستخراج "فيزا" لسائق. وبصراحة لا يمكن تجاهل حقيقة كفاءة العمل لدى موظفي هذه المراكز, وهو ما يستحق الشكر للعاملين في هذا القطاع الحكومي. وبعد الانتهاء من المعاملة, والتي لم تستغرق نصف ساعة, قيل لي بضرورة الذهاب شخصيا إلى وزارتي العدل والخارجية لتصديق المعاملة لأن طلب" الفيزا" لم يأت من مكتب خدم رسمي, وأنه من السهل الذهاب إلى برج التحرير لإجراء هذه التصديقات الرسمية. ولحسن الحظ أيضا, ساعدني أحد المسؤولين الأفاضل على إنهاء المعاملة خلال قرابة ساعة من الزمن. وأثناء محادثتي مع هذا الأخ المسؤول, سألته: لماذا لاتحصل وزارة الداخلية أثناء استخراج "الفيزا" كل الرسوم الحكومية المطلوبة على ثلاث نسخ, ثم ترسلها إلى الوزارات المعنية, من دون حاجة لذهاب المواطن بنفسه إلى برج التحرير, ما دام الأمر في النهاية يتعلق بوزارة الداخلية? فتبسم قائلا: إذا تم ذلك, ماذا سيفعل الموظفون حينئذ? قلت له: ماذا سيفعلون إذن إذا تم تطبيق الحكومة الإلكترونية? فضحك قائلا: دكتور.. الله يهداك! معقول تصدق هذه القصة? وبصراحة, لم أفكر في هذا السؤال باعتباري أكاديمي يقضي معظم وقته بين الدفاتر والمحابر كما يقولون.

أعتقد جازماً أن المواطن والمقيم لا يصدقان" حكاية" الحكومة الإلكترونية, لأن الأمر يشبه ما تغنيه سيدة الغناء العربي, أم كلثوم (رحمها الله), "بعيد عنك, حياتي عذاب". والمقصود بذلك, أن داء الروتين الحكومة قد استفحل في وزارات الدولة حتى النخاع. والمسؤول غير مستعد نفسيا إلى الآن, للتخلي عن وضع توقيعه الكريم على الأوراق الرسمية. ولا يُعقل أننا نأتي اليوم وبعد أكثر من أربعين عاما من عمر الدولة الحديثة, لنطلب من المسؤول أن يقعد بلا عمل. فالتوقيع هو العمل الوحيد الذي يؤديه. وبصراحة لست أستهزئ بهم, لكنها الحقيقة. ولو طُلب مني شخصيا اليوم الجلوس مكان أصغر موظف حكومي, لما استطعت ممارسة عمله, لأنني قد "اعتد" عملاً أكاديمياً معيناً, ولذلك تجد حملة الدكتوراه الذين يحتلون مناصب وزارية أو تنفيذية عليا, هم أفشل خلق الله في الإدارة. وذلك لأن الأكاديمي يتعامل مع الأمور "كما يجب أن تكون", في حين يتعامل معها الموظف, "كما هي كائنة".

ولو نظرنا اليوم إلى الأعداد الكبيرة من موظفي الدولة, سنجد أنهم بلا عمل حقيقي, وأن كثيراً من المستندات يمكن أن تكتمل بربع هذا المجهود الإداري. والدليل على ذلك, كفاءة العمل في الصيف حين يسافر الآلاف منهم إلى الخارج. ولنتخيل أن مشروع الحكومة الإلكترونية قد نجح, ماذا سيفعل الموظف بدءاً من الوزير وحتى الموظف العادي? لن تجد سوى الصمت في أروقة الوزارات الفارغة.

من جانب آخر, يجب أن نعلم أن معظم الناس في الكويت لا يعرفون كيف يستخدمون "الانترنت", فضلا عن حقيقة أننا اعتدنا عدم كفاءة الحكومة في إقامة المشروعات المختلفة. وسنجد أن موقع الوزارة الفلانية قد "وقع" بسبب ضغط الاستخدام, أو احتمال اختراق بعض "الهاكرز" الموقع والدخول إلى المعلومات الشخصية للناس. وهل تستطيع الحكومة فعلا إصدار بطاقات" كي نت" لدفع الرسوم عبر الموقع الإلكتروني?

للأسف لقد ضرب الروتين في عظم العمل الحكومي حتى أصبح التخلص منه أمراً غير متيسر بسهولة. لا يعني ذلك ان من المستحيل إقامة الحكومة الإلكترونية, لكن من دون ذلك في الوقت الحالي, "خرط القتاد", كما تقول العرب المستعربة. وحكومتنا للأسف أثبتت خلال السنوات الماضية فشلها في كل المجالات, فالروتين في الكويت أصبح من الصعب السيطرة عليه فضلا عن حله بـ"حكومة إلكترونية".

* نقلاً عن" السياسة" الكويتية

عودة للأعلى