طبـاعةحفـظارسالBookmark and Shareمشاركة
الإثنين 14 ذو القعدة 1430هـ - 02 نوفمبر 2009م

تركيا في كردستان العراق.. جرأة السياسة

 

سامي شورش

في زيارة غير مسبوقة، قام وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو، الجمعة الماضي، بزيارة جريئة إلى مدينة أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق.

أكثر من مراقب كردي أكد أن المحادثات بين رئيس الإقليم مسعود بارزاني وضيفه التركي تناولت مختلف الموضوعات السياسية والأمنية كموضوع الأمن الحدودي، ومصير مقاتلي حزب العمال الكردستاني المتحصنين في جبال حدودية، إضافة الى التطرق لمضامين مبادرة رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان الخاصة بالانفتاح على الأكراد.

المصادر نفسها أشارت الى أن القادة الأكراد أثاروا مع الوزير التركي، في كواليس المباحثات، موضوع كركوك ومحاولات أطراف عراقية تأجيل الانتخابات البرلمانية فيها، مؤكدة أن القادة الأكراد لم يسمعوا كلاماً صريحاً يؤيد مواقفهم حيال كركوك. لكنهم في الوقت عينه لم يسمعوا كلاماً يناقض تلك المواقف، أو يحثهم على التخلي عن مبدأ إجراء الانتخابات في محافظة كركوك أسوة بباقي المحافظات العراقية.

مع هذا، أشارت المصادر الكردية الى أن المحادثات تركزت على موضوعين رئيسيين: الأول، فتح قنصلية تركية كبيرة وفاعلة في أربيل، تتولى إدامة التواصل السياسي والدبلوماسي بين الطرفين، إضافة الى تقديمها الخدمات القنصلية المعتادة للشركات التركية العاملة في كردستان العراق.

الثاني، تمتين العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الإقليم الكردي العراقي وتركيا.

في الواقع، تجلى هذا التوجه في اصطحاب الوزبر التركي لوفد تجاري واقتصادي واسع معه الى أربيل. المصادر ذاتها رأت أن الطرفين، ركزا في محادثاتهما، لا على الأمن والسياسة، بل على الفكرة القائلة إن تذليل الخلافات السياسية والأمنية يتطلب، في المقام الأول، عملاً مشتركاً دؤوباً على طريق رسم خريطة طريق واضحة المعالم لتطوير التنمية الاقتصادية المشتركة.

معروف أن داود أوغلو الذي تسلم حقيبة الخارجية التركية قبل نحو عام، يمتلك نفوذا كبيراً على حزب العدالة والتنمية الحاكم. كما أنه يشتهر بنظرته المختلفة للسياسة الخارجية لبلاده، إذ يؤمن بضرورة إدخال تعديلات جوهرية عليها، خصوصاً في ميدانين اثنين: الأول، تطبيع العلاقات التركية مع الفضاء الإقليمي والعالمين العربي والإسلامي، إضافة الى دول الاتحاد الأوروبي. الثاني، تعزيز بنيان سياسة الانفتاح الخارجي بسياسة انفتاحية وإصلاحية داخلية في كل المجالات الاقتصادية والقانونية، بما فيها الانفتاح على المكون الكردي.

وانطلاقاً من المبادئ أعلاه، بادر داود أوغلو، خلال الأشهر الماضية الى تطبيع متسارع في علاقات بلاده مع كل من اليونان وأرمينيا والعراق وسورية والسلطة الفلسطينية وإيران. إلى ذلك، لعب دوراً أساسياً، خلف الكواليس، في حث أردوغان على إطلاق مبادرة سلمية تجاه الأكراد في تركيا. اللافت في هذا كله، أن عمليات الإصلاح الخارجي والداخلي أعطت الأولوية لمبدأ الحوار والتفاهم الهادئ، إضافة الى التطبيع الاقتصادي وإقامة آليات عملية للتبادل التجاري. في قناعة داود أوغلو الذي يستمد أفكاره من مزيج ثقافي إسلامي وغربي، أن أي تجسير للخلافات السياسية، لا يمكن أن يأتي متيناً وقوياً من دون بناء مصالح اقتصادية وتجارية متبادلة بين الدول والشعوب لدعم جهود المصالحة.

في الواقع، ترى أنقرة أن حاجتها الى أكراد العراق متشعبة: فمن جهة يمكن للأكراد أن يلعبوا دوراً فاعلاً في إقناع حزب العمال بالتخلي عن السلاح ودفع مقاتليه الى الاستسلام الطوعي للدولة. من جهة ثانية، يمكن لهم أن يساعدوا في إنجاح مبادرة أردوغان بالانفتاح على المكون الكردي. ومن جهة ثالثة، يمكنهم أن يساعدوا في السماح لأنقرة بحضور سياسي واقتصادي وثقافي مؤثر في كردستان، بغية موازنة النفوذ الإيراني في باقي العراق. يشار الى أن أميركا ليست بعيدة عن دغدغة أفكار كهذه لدى الأتراك والأكراد على السواء.

في المقابل، يعتقد أكراد العراق أن المشروع التركي الرامي الى فض النزاعات في المنطقة بشكل سلمي، والتركيز على التنمية الاقتصادية المتبادلة يلتقي، في محصلته النهائية، مع مشروعهم المتطلع الى ضمان حقوقهم القومية عبر نظام جديد في الشرق الأوسط يقوم على مبادئ الحوار والتفاهم الثقافي والاقتصادي والسياسي.

كما يرون أن تركيا هي إحدى أهم حلفاء واشنطن في المنطقة، ما يعني أنها قد تفيد في تعزيز التحالف الكردي مع أميركا. علاوة على هذا، يرى الأكراد أن العلاقات الحسنة مع أنقرة ستضمن إيجاد متنفس سياسي يساعد في تخفيف الضغط العراقي على الخاصرة الكردية في كركوك.

في كل الأحوال، نجحت زيارة مهندس السياسة الخارجية التركية إلى أربيل في إزالة سريعة لجدار اللا ثقة التاريخي بين الأكراد والدولة التركية في الشرق الأوسط، ما يشير إلى جرأة عالية أصبحت تطبع سياسة أنقرة الخارجية، بدءاً من موقفها حيال قطاع غزة وتصرفات إسرائيل، وانتهاء بالزيارة الجريئة لداود أوغلو إلى أربيل.

نقلا عن "أوان" الكويتية

عودة للأعلى