تركي عبد الله السديري
كنت في مكة قبل أحد عشر عاماً كواحد من حجاج تلك السنة شاكراً لربي أن أنقذني من خطر ساحق، وبالتالي كانت لياقتي البدنية متدنية جداً، وأبحث عن مسالك السهولة لو وجدت حتى ينتهي طوافي حول الكعبة وأنا قادر على ذلك..
لفت انتباهي، وفي الوقت نفسه عمل على إعاقتي، مشهد غريب لأربعة حجاج صنعوا دائرة أمام الكعبة وتتسع بامتدادات أيديهم نحو بعضها بما يعطي الفرصة لحاج خامس داخل هذه الدائرة ووجهه باتجاه الكعبة وهو يؤدي طقوس عبادة لم أفهم شيئاً منها، حيث لم أشاهد ذلك من قبل، ولم أجد تفسيراً لتحركاته داخل امتدادات أجسام رفاقه الأربعة.. حين ينتهي هو من طقوسه يمارس دوره أحد الواقفين الذي يدخل في الدائرة ليكرر ما فعله الأول، وهكذا حتى يستكمل الخمسة أشخاص ذلك النوع الغريب من العبادة..
لم يكن من المعقول أن يتم ذلك الجهد الذي أبطأ بتواكب آلاف الحجاج حول الكعبة حتى أنهم لفرط الزحام يبدون كما لو كانوا متوقفين، وأن أرضية كهربائية تدور بهم.. ما كان معقولاً أن يتم لو كان تصرفهم مكشوفاً لمن هم خارج الطواف..
ماذا لو أن مجتهدين بشكل خاطئ نفّذوا تصرفات يعتقدونها عبادات؟.. كيف سيكون التسابق بين الناس، الفئات، المذهبيات؟.. خصوصاً وأن الأرضية العربية الإسلامية تنتج ما شاء الله اجتهادات هي الأبعد عن الصواب حتى بدا تباعد مفاهيم وطقوس عبادات الإسلام كما لو كان مجموعة أديان تبرهن على خصوماتها بتباين نوعيات ممارساتها..
الذي أعرفه أن أي شخص لا يستطيع أن يتدخل في نوعية مفاهيم صاحب طائفة معينة وهو بعقله وعاطفته يحمل معه ما هو عليه من قناعات.. لكن المواقع المقدسة التي يلتقي بها الحجاج في وحدة عبادة إسلامية يفترض ألا يختلف عليها الجميع..
من المؤسف أن نجد هناك جهوداً غربية مثلما فعل باراك أوباما ومثلما فعلت بريطانيا لتقريب المسافات مع التطرف الإسلامي ومحاولات تصويبه بتأكيد وجود رغبات التعايش السلمي، في الوقت الذي يجزم فيه أي مراقب بأن موجهي التطرف - شيعياً كان أو سنياً - لا يستمعون إلى الصوت الأوروبي الحضاري بقدر ما هم على ولاء مفرط لكل مسالك العداوات.
* نقلا عن "الرياض" السعودية
