طبـاعةحفـظارسالBookmark and Shareمشاركة
الأربعاء 16 ذو القعدة 1430هـ - 04 نوفمبر 2009م

العرب ومجتمع المعرفة

 

د.  محمد قيراط

أقل ما يمكن قوله عن الأرقام والإحصائيات التي قدمها تقرير المعرفة العربي لعام 2009، أنها ترسم صورة قاتمة وسوداء لواقع اقتصاد المعرفة في الدول العربية. التقرير الذي تم إعداده بالشراكة بين برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، قدم أرقاما مخيفة، من بينها أن خمس العرب، أي 60 مليون نسمة، أميون و45% من الطلاب العرب الدارسين في الخارج لا يعودون.

كما أن ما يقارب 9 ملايين طفل في سن التمدرس يوجدون خارج أسوار المدارس. وحسب التقرير، الذي أطلق الأسبوع الماضي في دبي خلال المنتدى الاستراتيجي العربي، فإن الفقر ما زال يتزايد في المنطقة العربية، حيث إن أكثر من 18% من العرب فقراء، كما تصاعدت نسبة البطالة في الكثير من الدول العربية مسجلة نسبة وصلت 30%.

إذا انطلقنا من ثلاثية المعرفة والتنمية والحرية، والتي تعني بكل بساطة أنه لا تقدم بدون معرفة ولا معرفة بدون حرية، إذ العلاقة عضوية بين العناصر الثلاثة، فلا تنمية إنسانية من دون معرفة. وهنا يجب التأكيد على غائية المعرفة التي تخدم التنمية والمجتمع الذي تنصهر فيه، فالمعرفة في نهاية المطاف مطلب وحق إنساني.

وهي وسيلة لتذليل الصعوبات والعقبات التي تعترض سبيل الإنسان. والمعرفة هي السبيل الأمثل لتحقيق التقدم والتطور والنمو في المجتمع، وهي التي تجعل الإنسان عقلانيا وراشدا وناجحا، في تعامله مع البيئة والمحيط والمجتمع الذي يعيش فيه.

وفي النقيض، نلاحظ أن فجوة المعرفة تعني الفقر والضعف والتهميش، ومن ثم التبعية والرضوخ، ما يؤدي إلى المشاكل الاجتماعية والجريمة والعنف والتطرف...الخ.

يقوم مجتمع المعرفة على مبدأ الحق في المعرفة والتسامح والتضامن وحقوق الإنسان، في إطار قيم الشفافية والإصلاح الديمقراطي، كشرط أساسي لتهيئة البيئة الضرورية واللازمة للمعرفة، حيث يتحول الحق في المعرفة وفي النفاذ إلى المعلومات وكذلك حق الاختلاف، إلى مسلمات لإقامة مجتمع المعرفة والنهوض بالأداء المعرفي وتطوير رأس المال البشري، وبذلك يتم ترشيد الفرد في المجتمع وجعله كائنا إيجابيا صالحا وفعالا.

إن بؤس المعرفة في العالم العربي الذي يشير إليه التقرير، ينعكس سلبا على الرقي والتقدم والازدهار. فمجتمع المعرفة له شروطه ومستلزماته، ومن أهمها الإرادة السياسية والحكم الراشد، والموازنات المعتبرة والكادر البشري والثقافة المؤسسية، من أجل إرساء قواعد اقتصاد المعرفة.

إنتاج المعرفة بحاجة إلى جامعات ومراكز دراسات وأبحاث تتوفر على علماء وباحثين وموازنات كبيرة، وهنا نلاحظ الخلل الأول الذي يتمثل في أن غالبية الجامعات العربية هي جامعات غير بحثية، ولا تتوفر على شروط إنتاج المعرفة. أما مراكز الدراسات والبحوث فمعظمها مسيّس، وينتج معرفة سياسية حسب الطلب لإرضاء السلطة.

وباستثناء دول الخليج، فإن غالبية الدول العربية مازالت دون المستوى العالمي لاستخدامات الحاسوب في الحكومة والتجارة والدراسة. وفي عصر العولمة تطرح إشكالية مجتمع المعرفة والهوية. ففي عالم اليوم تتقاطع قوة المعرفة مع موجة الانتشار الثقافي الكوني، فالمعرفة إن لم تكن هي الثقافة، فإنها جزء أو وجه من وجوهها.

إن بناء مجتمع المعرفة لا يعني اقتناء التقنية واستهلاكها، ولا يعني تسليع المعرفة والاكتفاء بالأمر الواقع، دون مساءلة وتكييف وتأقلم مع الظروف الموضوعية والقيمية لكل بلد.

فالمجتمع المعرفي بحاجة إلى انخراط منتج ومبدع ومسؤول، وإلى رؤية شاملة وناقدة وواعية ويقظة. إن المعرفة بمفهومها الواسع وبعدها الرمزي والمكاني، تعتبر اليوم قضية اقتصادية وسياسية واجتماعية، تتأثر بالبيئة التنظيمية والسياسات التنموية، وبكافة الحريات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

مجتمع المعرفة يحتاج إلى الحرية، فالمعرفة والحرية وجهان لعملة واحدة. والحريات بمختلف أنواعها تعد أبرز سمات البيئات المحفزة والمشجعة على اكتساب المعرفة، وهي أهم طريقة وآلية محفزة للتنمية بمفهومها الإنساني الواسع.

والمتأمل في مؤشرات حرية الرأي والتعبير وحرية الصحافة والحريات العامة والإصلاح السياسي في الوطن العربي، يلاحظ أن الإحصاءات التي تقدمها التقارير العديدة من قبل المنظمات الحكومية وغير الحكومية، تشير إلى تدني هذه الحريات وترتيب الدول العربية في المراكز الأخيرة في الترتيب العالمي.

* نقلاً عن "البيان" الإماراتية

عودة للأعلى