أميرة كشغري
طالعتنا صحيفة الوطن يوم الاثنين الماضي 2 نوفمبر 2009 بخبر مثير للاهتمام حول "احتجاز الزوجات من قبل أزواجهن في المنازل". ويقول الخبر عن مديرية الدفاع المدني أن "نسبة بلاغات الاحتجاز داخل المنازل خلال الأسبوعين المنصرمين بلغت ما يقارب 45 بلاغاً تمت مباشرتها من قبل وحدة الإنقاذ بمديرية الدفاع المدني بالمنطقة الشرقية".
بداية، ما يلفت الاهتمام في هذا الخبر هو وعي الزوجات بأن هناك جهات رسمية يمكن عند الضرورة الاتصال بها لطلب المساعدة. قد تخطئ الزوجات أو يجلهن معرفة الجهة الصحيحة لطلب المساعدة، كأن يقدمن على الاتصال بالشرطة مثلاً على الرقم 999 بدلاً من الاتصال بالرقم المجاني 1919 الذي خصصه مكتب الحماية الاجتماعية لبلاغات العنف الأسري الموجه ضد النساء والأطفال، حيث يتم من خلاله استقبال البلاغات من الساعة 8 صباحاً وحتى الساعة العاشرة مساءً في جميع أيام الأسبوع، (ولا أدري ماذا تعمل من تتعرض لمشكلة بعد الساعة العاشرة مساء؟) إلا أن ذلك لم يثن هؤلاء السيدات عن الاتصال على جهات أمنية بغرض نجدتهن من الاحتجاز. والسبب في هذا اللبس يكمن في عدم معرفتهن بالجهة الرسمية الصحيحة المعنية بمثل هذه الحالات، أو بسبب عدم تجاوب تلك الجهات المعنية حيث لا يتم الرد الفوري على المتصلة مما يجعلها تلجأ إلى أسهل بديل وهو 999 وهو الأكثر ضماناً.
والمرأة التي تصل إلى مرحلة تضطر فيها إلى أن تستنجد بجهة خارجية – رسمية كانت أو غير رسمية- كي تساعدها على مواجهة أمر من أمور حياتها الأسرية الخاصة لا بد أن تكون قد وصلت فعلاً إلى حد لا تستطيع معه التعامل مع الحالة في النطاق الداخلي، فلو كانت قادرة على الحل لما عرّضت نفسها وأسرتها لهذه المواجهة أصلاً.
في ثقافتنا الشعبية التقليدية تطالب المرأة دوماً بالصبر وتحمل كل ما يصدر عن الزوج من تعامل غير إنساني تتعرض له طمعاً في الأجر وأملا في الاحتساب. غير أن العصر الذي نعيش فيه لم يعد عصر الجدات الصابرات ولا الأمهات المحتسبات. فضلاً عن أن الصبر والاحتمال وإن كان مندوباً له لا ينبغي عرفاً أو شرعاً أن يكون مفتوحاً ولا نهائياً إلى الحد الذي يؤدي إلى استمرار الظلم وإلى استمراء الظالم شنيع عمله. والصبر هنا يصبح في جوهره تواطؤاً على الظلم المنهي عنه شرعاً. والمرأة في هذا العصر هي مواطنة لها من الحقوق والواجبات ما يجعلها لا تقبل بالاستعباد أو المهانة لأن واقع الحياة يفرض عليها ذلك. وهنا يبرز دور التوعية التي قامت بها الجهات المختصة بالحماية ودور لجان حقوق الإنسان التي فتحت للمرأة آفاقاً حقوقية لم تكن تعرفها الجدات والأمهات قبل عقود من الزمن، ولم يعد مقبولاً التعتيم على هذه القضايا بدافع الترفع عن "فضائح الأسرة". إن هذه المبررات كلها من "الاحتساب والصبر" إلى "الابتعاد عن الفضائح" هي مقولات تنتهي إلى استمرارية العنف والظلم وتشجع المعتدي أياً كانت جنحته على الاستمراء في سلوكه لأنه لم يجد رادعاً. إلا أن الثقافة المجتمعية التي كانت سائدة هي ثقافة تشيئ المرأة وتعتبرها جزءاً من ممتلكات الرجل بل وقد يصل الأمر إلى أن تكون مجرد غرض في حياته. من هنا أخذ الرجل لنفسه حق الحجر والحجز على زوجته كما يقفل بابه على ممتلكاته الأخرى. وليس بعيداً عن هذا المفهوم ما يردده البعض من أن المرأة هي "جوهرة" ينبغي أن "تصان" والجوهرة كما نعرف هي حجر يباع ويشرى، بل ويقطّع أيضاً في بيوت المجوهرات.
إذا كنا نطلب من النساء الصبر، فلنا أيضاً أن نطالب الرجال بالصبر، فالصبر مطلوب من كل إنسان لكن لا ينسحب الصبر على قبول الظلم والأذى. كما أن الصبر والتضحية لا يجب أن يكونا عذراً لاستمرار الظلم أو قبوله. فالقانون من المفترض أن يوفر الحماية لكل من يتعرض لظلم. ومن المناسب الإشارة هنا إلى تزامن هذا الخبر/الظاهرة وصدور الموافقة السامية على مشروع نشر ثقافة حقوق الإنسان. إذ إن معرفة الفرد، رجلاً كان أم امرأة، بحقوقه هو المنطلق الأول لتحقق إنسانيته الكاملة في المجتمع. ورفع الظلم عن طريق اللجوء إلى القانون هو حق من حقوق الإنسان، شرعاً وقانوناً. وليس هناك من وقت أفضل من هذا الذي يشهد اعتراف المجتمع بمفهوم الحقوق.
* نقلاً عن "الوطن" السعودية |
