ومصر مثل اي دولة اخري في هذا العالم لايمكن ان تكون معزولة عن هذه التطورات التي تنطوي بدورها علي مزيج من الفرص والواعدة والتحديات الهائلة, وكلاهما يتطلب سياسة جديدة تختلف في اسسها عن تلك التي قامت عليها السياسة الناصرية ابان فترة المد التحرري في الخمسينيات من القرن الماضي, اذ لعبت مصر دورا حاسما عبر دعم كل حركات التحرر الافريقية بالسلاح والمواقف السياسية الداعمة في الامم المتحدة والمحافل الدولية, وهو أمر لم يعد موجودا, فالقائم الآن دول مستقلة تسعي إلي تحقيق مصالح شعوبها في التنمية والتطور, وبالتالي سياسة خارجية تعتمد بناء المصالح والشراكات وتعزيز الروابط الثقافية والاقتصادية والمجتمعية.
وهنا تتجلي فرص كبيرة بالنسبة لمصر إن احسن استغلالها, فمعظم الدول تتبني وتطبق سياسات الانفتاح الاقتصادي, وهناك ايضا تأسيس التجمعات الاقتصادية والمناطق التجارية الحرة في كثير من مناطق القارة, أما في جانب التحديات فهناك ما يمكن وصفه بغلبة التوجه المصري نحو الشمال والشرق علي التوجه ناحية الجنوب, رغم أن الأخير هو منبع الحياة بالنسبة لنا.
ان المسألة بالنسبة لمصر ليست فقط توجهات السياسة الخارجية, التي نعرف جميعا انها مجبرة علي ان تولي كثيرا من الاهتمام بما يجري علي الساحة الفلسطينية وساحة الصراع العربي الإسرائيلي, لما في ذلك من ارتباط وثيق بالأمن القومي المصري المباشر, ولكننا نعرف ايضا ان سياسات الدول الخارجية وارتباطاتها مع باقي المجتمعات وفي ظل مناخ العولمة والانفتاح المتبادل بين المجتمعات لم تعد محصورة بالفعل المؤسسي والرسمي وحسب, فهناك مايعرف منذ فترة طويلة بالبعد الشعبي والبعد المتعلق بتفاعل المجتمعات المدنية مع بعضها البعض, ناهيك طبعا عن دور القطاع الخاص الساعي إلي تحقيق الارباح وفتح الاسواق واقامة شراكات قوية مع نظيره في البلدان المختلفة, واذا كان الرسميون يمهدون الطريق بالاتفاقيات الرسمية, فإن الشعوب هي التي تجري وتستخدم تلك الطرق.
والحق علينا ان نعترف ان الشق الاعظم من سياسة مصر الخارجية مرهون بالتحركات الرسمية والتي تعكس بدورها أولويات المؤسسات صانعة القرار, وأن الشق المتعلق بتفاعلات المجتمع المدني غير موجود تماما ويواجه الكثير من القيود, وان وجد فهو مؤقت وعابر, اما القطاع الخاص فنادرا ما يخدم التوجهات الرسمية أو يبادر بالتوجه نحو المناطق الحيوية للمصالح الاقتصادية التي لاخلاف عليها, بل احيانا يلعب دورا عكسيا. وبالقطع فإن كلا من المجتمع المدني المصري والقطاع الخاص يدرك اهمية العلاقات مع دول حوض النيل, ولكنهما لايحولان هذا الادراك إلي نوع من التواصل والتفاعل الخلاق مع النظراء في هذه البلدان,
وكما هو الحال في السياسة الرسمية التي تنظر شمالا غالبا, فإن القطاع الخاص يقع في الفخ نفسه, فهو متيم بالشمال وبالصين, ويسعي جاهدا إلي الارتباط بهما, وإذا كان من الصعب المناداة بفك مثل تلك الروابط التي مر عليها عقود طويلة, وتتيح مكاسب لايمكن انكارها, فمن الحكمة ان يولي القطاع الخاص جزءا من اهتماماته إلي الجنوب وإلي افريقيا, سواء دول الحوض أو غيرها مادامت هذه الدول تفتح اذرعها للاستثمارات والمنتجات المصرية ولاتضع قيودا علي اي تحركات مصرية تحقق مصالح مشتركة.
المجتمع المدني المصري مطالب بدوره بأن يضع في اولوياته تعزيز الروابط مع البلدان الافريقية, وان يبحث عن شركاء في هذه البلدان ليقيم معها فعاليات فكرية وثقافية تزيل تلك التراكمات السلبية التي حدثت بفعل الغياب المصري عن الساحة الافريقية, فعبر تلك الفعاليات يمكن قطعا ازالة أو الحد من تأثير تلك الصور والتقييمات غير الودية التي تسود في عدد من المجتمعات الافريقية تجاه مصر وتمسكها بحقوقها في مياه النيل, كما يمكن تهيئة مناخ محلي افريقي ومصري يؤمن بالمصير المشترك; وبأن مياه نهر النيل مدخل منحنا الله اياه لكي نحقق معا مكاسب مشتركة وعلاقات أوثق. ان تشكيل جمعيات ومنظمات مدنية مصرية يكون همها الأول التوجه نحو افريقيا يعد الآن ضرورة قصوي, والتوجه المطلوب لابد ان يكون طريقا ذا مسارين, اولهما مسار يعيد تعريف الرأي العام المصري بأهمية افريقيا بالنسبة له وما تنطوي عليه القارة السوداء من فرص كبيرة يمكن ان تساعد في ايجاد اسواق وفرص عمل ومحاصرة توجهات عدائية أو غير ودية, وثانيهما التوجه إلي العمق الافريقي عبر انواع من التواصل المباشر والزيارات المتكررة وتشكيل تفاعلات مستمرة مع منظمات مدنية هناك, وتشكيل جمعيات للصداقة مع بلدان افريقيا المختلفة, وإذا كان المسار الأول يعني بإعادة اكتشاف افريقيا للرأي العام المصري والتي غابت عنه طويلا, فإن المسار الثاني يعني بالتواجد المادي والمعنوي المصري في المجتمعات الافريقية, وعدم ترك هذه الساحة المهمة نهبا للتحركات المناهضة للمصالح المصرية, والتوظيف الجيد والايجابي لعناصر القوة الناعمة المتوافرة في مصر.
ان أدوار الدول والحفاظ علي المصالح لم يعودا وقفا علي التحركات الرسمية رغم اهميتها الكبيرة, بل تتطلب أدوارا وتحركات ووعيا من الناس انفسهم ومنظماتهم المدنية, وان نظرنا إلي بعض النماذج الناجحة ـ كالحالة التركية مثلا ـ في السنوات العشر الماضية والتي تحقق مصالح مجتمعاتها فسوف نجد جزءا كبيرا من هذا النجاح مرتبطا بحيوية المجتمع المدني وانطلاقه إلي البيئة الاقليمية الأوسع, وبقدرته علي نسج علاقات مع العمق الشعبي, وتقديم المجتمع الاصلي كصديق يشد الأزر عند الضرورة.
* نقلاً عن "الأهرام" المصرية |