سعد محيو
الكثيرون ربما يستهجنون وصف الرئيس الإيراني أحمدي نجاد لخصوم بلاده الغربيين بأنهم “بعوض”. وكثيرون غيرهم قد يتهمونه بالتصعيد لأنه أعلن أن طهران “لاتثق بالغرب حتى وهي تتفاوض معه”.
بيد أن هؤلاء على خطأ. فالدول الغربية مارست بالفعل على مدار القرنين المنصرمين في الشرق الاوسط الإسلامي دور “البعوض” الذي لا يعتاش سوى على امتصاص الدماء. فهي بدأت بتدمير إصلاحات محمد علي باشا في مطلع القرن التاسع عشر، قبل أن “تمتص” مصر وترميها على قارعة التاريخ. وهي قوّضت الدولة العثمانية وحوّلت المنطقة إلى أشلاء متناثرة تتربع وسط ركامها دولة يهودية لتشكل حاجزاً دائماً بين المشرق والمغرب. ثم إنها تآمرت على إيران نفسها منذ مطلع القرن العشرين ومنتصفه وصولاً في النهاية إلى أواخره، حين ألهبت ظهرها بالاحتلالات والتقسيمات والحروب.
تعبير البعوض، إذاً، ليس سُبّة بقدر ما هو توصيف دقيق لحقيقة موصوفة.
أما عدم الثقة بالغرب، فهذا أبعد ما يكون عن التصعيد. إنه بالأحرى حرص واحتراز لابد منهما لأمة تخوض معركة صراع بقاء مع غرب يمارس سياسات مزدوجة، ويفرض عليها عقوبات لامبرر لها.
الدليل؟ ثمة اثنان:
الأول، موقف رئيس الوزراء التركي أردوغان، الذي لايستطيع أحد اتهامه بأنه معادٍ للغرب أو يسعى إلى المجابهة، الذي حمل بعنف قبل يومين على ما وصفه ب “العقوبات المتغطرسة” المفروضة على طهران. كما حمل على “من ينتقدون البرنامج النووي الايراني ويواصلون امتلاك الاسلحة نفسها”. وأضاف: “اعتقد ان من يتخذون هذا الموقف ومن يريدون هذه العقوبات التي تنم عن غطرسة، عليهم أولاً التخلي عن هذه الاسلحة. نحن نشترك في هذا الرأي مع اصدقائنا وأشقائنا الايرانيين ونريد أن نعيش في منطقة خالية تماماً من الأسلحة النووية”.
الدليل الثاني جاء على لسان كل من فلنت ليفرت، مدير مبادرة “جيوبوليتكا الطاقة” في مؤسسة أمريكا الجديدة والمدير السابق لشؤون الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي، وهيلاري مان ليفرت المديرة السابقة لشؤون إيران وأفغانستان والخليج العربي في المجلس نفسه. وهما قالا في مقال نُشر مؤخراً (“نيويورك تايمز” 29 سبتمبر/ أيلول 2009) إن إدارة أوباما تفتقر إلى الجدّية الدبلوماسية الكافية للتعامل مع إيران، وهي لم تتخذ الخطوات اللازمة لتهدئة مخاوفها، او لإقناعها (طهران) بأن الولايات المتحدة جادة في تغيير نهجها تجاهها، خاصة منه مايتعلق بإسقاط النظام، أو تغييره، أو حتى تقسيم البلاد مجدداً.
ويُدلل الكاتبان على ذلك بأمور عدة منها، أن الرئيس أوباما قد شكل مجلساً قومياً لا يشاركه رؤيته حول التقارب مع طهران، واستخدم في اجتماع الجمعية العامة لهجة تُذكّر بمصطلح “محور الشر” الذي صكّه الرئيس بوش. ويشيران إلى أنه لو كان أوباما جاداً حقاً في إيجاد تسوية مع طهران، لكان عاملها كما عامل نيكسون الصين في السبعينات، أو على الأقل لكان نشط لإيجاد إطار شامل للأمن والتعاون الاقتصادي والأمني في منطقة الخليج.
أجل. الرئيس الإيراني نجاد يميل بالفعل إلى النزعة الشعبوية وإلى استخدام التصريحات النارية على نسق تعبير “البعوض”. لكن هذا الأسلوب له على ما يبدو رنين ومردود، في غرب اعتاد أن يُعامل شعوب الشرق الأوسط الإسلامي على أنهم “ذُباب”.
نقلا عن "الخليج" الإماراتية
