طبـاعةحفـظارسالBookmark and Shareمشاركة
الخميس 17 ذو القعدة 1430هـ - 05 نوفمبر 2009م

إيران في الشارع

 

ساطع نور الدين

حتى اللحظة، لم يعرف سر اختيار الاصلاحيين الايرانيين الذكرى الثلاثين لاحتلال السفارة الاميركية في طهران لتنظيم تظاهرة احتجاجية في شوارع العاصمة الايرانية والاشتباك مع الشرطة التي كانت تحمي تظاهرة احتفالية بالمناسبة نظمها المحافظون. الاعلان عن انهم ما زالوا باقين، وقادرين على التظاهر، ليس مبررا كافيا. والزعم انهم راغبون في انتزاع واحدة من اهم المناسبات بالنسبة الى التيار المحافظ، ليس تفسيرا منطقيا.

الذاكرة الجماعية الايرانية لا تحفظ احتلال سفارة الشيطان الاكبر في مكان مميز، والاهم من ذلك انها لا تذكر الا القليل عن بنود صفقة اطلاق الرهائن الاميركية في اليوم الاول من ولاية الرئيس الاميركي رونالد ريغان في الحادي والعشرين من كانون الثاني من العام 1981.. والتي جرى استحضارها في خطاب شهير للمرشد آية الله علي خامنئي ردا على تهنئة وجهها الرئيس باراك اوباما الى الجمهورية الاسلامية وقيادتها بعيد النوروز في آذار الماضي، واهمها الودائع الايرانية المجمدة في اميركا وقطع غيار الطائرات الايرانية التي دفع ثمنها الى الشركات الاميركية ولم تتسلمها ايران..

كثيرون من الطلبة الايرانيين الذين احتلوا السفارة يومها اعتذروا عن ذلك الخطأ بحسب توصيف آية الله حسين منتظري امس، وكان اعتذارهم بمثابة جواز انتقالهم الى الصف الاصلاحي المعارض، والراغب في المصالحة مع اميركا. اما خصومهم المحافظون فقد التزموا بالفكرة القائلة ان القائد الراحل آية الله الخميني اتخذ قرار احتلال السفارة وتوجيه التعبئة السياسية ضد الاميركيين فقط لانه شعر بأن الثورة كان يمكن ان تسقط بأيدي حلفاء اميركا الايرانيين الذين ساهموا في نجاحها وسعوا الى توجيهها ضد الاتحاد السوفياتي ودول آسيا الوسطى المنضوية تحت لواء الشيوعية.

ما جرى بالامس هو بمثابة تظهير للشرخ الداخلي الايراني: نزل الاصلاحيون الى الشارع لا كي يعلنوا وفاءهم لخط الامام المؤسس، وان كان بعضهم يود مثل هذا الاعلان، بل ربما كي يؤكدوا انه آن الاوان للانتقال من مرحلة التأسيس الاولى للجمهورية الاسلامية الى مرحلة الترسيخ الاولى لتحولاتها السياسية التي تعبر عن ثقتها بنفسها وعن قدرتها على طي صفحة الماضي مع اميركا وتحقيق المصالحة التي لا بد منها... كما نزل المحافظون الى الشارع كي يبرهنوا على قوة خط الامام وعلى ان الحوار مع الاميركيين يشترط التزامهم تنفيذ بقية بنود اتفاق تحرير رهائن السفارة.

الخلاف يدور كما يبدو على شروط المباشرة بالحوار الثنائي مع اميركا. لكن العودة الى محيط مبنى السفارة الاميركية المهجور في طهران، تعبر عن نفاق الاصلاحيين الذين هجر جمهورهم الثورة وقيادتها وحتى طقوسها الاسلامية، والذين يستغلون المناسبة للاعتذار من اميركا سلفا، وربما ايضا اطلاق الهتاف «الموت لروسيا الموت للصين» كما فعلوا في آخر تظاهراتهم في جامعة طهران في تموز الماضي... كما تعبر عن خبث المحافظين وفراغ جعبتهم وربما ذاكرتهم ايضا من ادوات الصراع والمواجهة مع الاميركيين، وبينها الاداة النووية.

اختيار المكان والزمان للتظاهر امس لم يخدم الاصلاحيين ولا المحافظين، بل يرسخ صورة ايران التي لا تزال في الشارع، تبحث عن وجهتها السياسية.


نقلا عن "السفير" اللبنانية

عودة للأعلى