طبـاعةحفـظارسالBookmark and Shareمشاركة
الخميس 17 ذو القعدة 1430هـ - 05 نوفمبر 2009م

مجلس أمة أم محاكم تفتيش؟!

 

أحمد الجار الله

الحكومة الان قيد الاقامة الجبرية, وبات مطلوبا من كل وزير قبل ممارسة اي من مهامه ان يحصل على إذن من مجلس الامة الذي حوله بعض النواب الى مخفر, او محكمة تفتيش, أين منها محاكم القرون الوسطى في أوروبا?
فمن لجنة دراسة الظواهر السلبية الدخيلة على المجتمع, الى لجنة التحقيق في عقود طوارىء الكهرباء, ولجنة التحقيق في حادثة مشرف, وعقود وزارة الدفاع, الى لجان تحقيق في كل شارة و واردة في الدولة, وكأن النواب تحولوا الى محققين ونيابات عامة وليسوا مشرعين, ولم يعد أمام الوزراء من عمل الا المثول أمام هذه اللجان وترك كل شؤون وزاراتهم من دون اي متابعة.
واذا كانت الحال وصلت الى هذا الحد من التردي, الا ان ما جرى أخيرا في مجلس الامة كشف عن جانب مهم في المعضلة التي يعانيها العمل الاداري في ادارات الدولة, والتي لا بد من تسليط الضوء عليها ووضعها في موقعها القانوني البحت, من أجل معالجة الاهتراء الذي تعاني منه غالبية المؤسسات, إن لم تكن كلها. فاذا كانت مسألة الشيكات التي تحدث عنها أحدهم صحيحة فان ذلك يعني ان ادارات الدولة مخترقة, وان مكتب رئيس مجلس الوزراء مخترق, وبالتالي لا بد من محاسبة المتورطين بهذا الامر, أضف الى ذلك أنها تكشف عن جانب آخر أخطر بكثير من مسألة الاختراق الاداري في سبيل التمصلح الانتخابي, وهو استباحة أسرار الدولة.
نحن هنا لسنا بصدد الدفاع عن رئيس مجلس الوزراء, ولا عن النواب الذين يشاع أنهم ارتشوا من الحكومة, فللأخيرة قنواتها التي من خلالها تستطيع عبرها الدفاع عن نفسها, والذين اتهموا في ذممهم, أيضا, يستطيعون الدفاع عن أنفسهم, لكن ما يعنينا في الامر كمواطنين هو ان مجلس الامة تحول بفضل بعض المتمصلحين الى سلطة احتكار للقرار السياسي والقضائي والاقتصادي, وحتى الاجتماعي, ولقد تخطى صلاحياته المرسومة دستوريا بوضوح الى حد أنه بات يمارس وصاية على المجتمع, بالاضافة الى الالتفاف على القضاء حين لا يأخذ بأحكامه ويطالب بتشكيل لجان تحقيق في قضايا قال فيها القضاء كلمته, او هي منظورة أمامه , وفي هذا الشأن نذكر الجميع بقول السيد المسيح عيسى بن مريم( عليه السلام) " اذا فسد الملح بماذا تملحون?" فالقضاء هو خط الدفاع الأخير الذي يجب ان يتنبه الجميع الى عدم تجاوزه, وحين يقول كلمته فهي الفيصل في كل شيء, و ليس بعده اي فيصل مثلم أشبه بسيف دونكيشوت, ليس فقط لأن الاحكام تصدر باسم سمو الأمير, بل لأن من المستحيل ان يتحول مجلس الامة الى سلطة وصاية مطلقة على كل السلطات في البلاد فذلك يعني انقلابا نيابيا على كل السلطات, ومصادرة للحريات وتقويضا للقوانين والدستور, واستباحة البلاد أمام زمر الجهل العائدين من عصور الظلمات.
لقد باتت المسألة تستدعي إعادة النظر في بعض مواد الدستور, وفي اللائحة الداخلية لمجلس الامة من أجل كبح جماح مغامرة نواب التمصلح الانتخابي على حساب الشعب ومستقبل الوطن, لأن الاستغلال المفرط لسلطة الرقابة المتاحة دستوريا تحول الى تعسف عبثي من أجل ان يهرب بعض النواب من عجزهم عن مواجهة الحقائق في ما يتعلق بالعمل البرلماني المناط بهم, الى توظيف مناصبهم في تكبيل الحكومة ومنعها من العمل, اذا لم تخضع لشروطهم الشخصية التي باتت مفضوحة للجميع, وخصوصا ان هؤلاء يعيشون على الباطل, و يزينون أنفسهم كالعجائز المتصابيات بألوان التقوى والتأسلم السياسي.
في المقابل فان مجلس الوزراء بات الان مطالبا أكثر من اي وقت مضى ان يضع خطة عمله موضع التنفيذ, وان يخرج من موقع المدافع عن نفسه عبر التصريحات, وأن يثبت فعلا قدرته على الانجاز, وإلا فانه يكون مساهما أساسيا في جعل قلة من المنافقين السياسيين تدفع بمجلس الامة أكثر فأكثر الى احتكار كل السلطات, وساعتئذ تكون البلاد أكلت يوم أكل الثور الابيض, و يكون بعض النواب قد جعلوها أسيرة ابتزازهم الشخصاني والعبثي.

* عن "السياسة" الكويتية

عودة للأعلى