نجيب الخنيزي
نشر المرصد العربي لحرية الصحافة التابع للجنة الحريات في اتحاد الصحافيين العرب والذي افتتح رسمياً في يوليو/تموز 2006 بمدينة الرباط المغربية تقريره الثاني الذي يغطي الفترة من مايو/أيار 2008 وحتى مايو/أيار .2009 تضمن التقرير رصداً وتوثيقاً للانتهاكات والتعديات المختلفة التي شملت تدابير وإجراءات قمعية مختلفة كالاعتقالات (والقتل كما هو الحال في العراق، فلسطين، والصومال) وإصدار الأحكام التعسفية بالسجن والجلد والغرامات المالية، والتوقيف الدائم أو المؤقت عن الكتابة والعمل، وممارسة مختلف الضغوط (الترهيب والترغيب) التي طالت الكتاب والعاملين في الصحافة ووسائل الإعلام في الدول العربية، كما تطرق إلى السياسات والتشريعات والممارسات الرسمية وغير الرسمية المعادية لحرية الصحافة والتعبير. استند التقرير الثاني إلى ما صدر من بيانات هيئات صحافية، إعلامية، حقوقية، وطنية، إقليمية، ودولية ومن ضمنها الفيدرالية الدولية للصحافيين، الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان ومنظمة مراسلون بلا حدود. وقد صف التقرير المنطقة العربية بأنها لاتزال تعتبر في طليعة المناطق الأكثر انتهاكاً لحرية الرأي والتعبير والصحافة في العالم، ومعتبراً أن وجود انتهاكات لحرية الصحافة لا يعني انعدام الحرية بالمطلق كما أن «انعدامها» أو قلتها لا يعني وجود حرية للصحافة، مبيناً أنه يصعب الحديث عن انتهاك حرية الصحافة في بعض الدول، التي لا وجود فيها للحريات الأساسية مثل حرية التنظيم وتكوين الأحزاب والنقابات، وحرية النشر وغيرها من الحقوق المتعارف عليها دولياً. وضمن هذا السياق، فإن غالبية الدول العربية تشترك فيما يتعلق بحرية الصحافة والتعبير بوجود قوانين وتشريعات متعارضة مع المواثيق والمعاهدات الدولية لحقوق الإنسان التي صدّقت عليها، وبالتالي أصبحت لها صفة الإلزام. وفي الواقع ما يطبق على الأرض هي تلك القوانين والأنظمة المحلية السالبة للحقوق والحريات العامة والخاصة، والتي تتضمن إنزال أقصى العقوبات إزاء ما تعتبره »مقدسات« يمنع تناولها، سواء تعلق ذلك بالموقف من النظام السياسي وتوجهاته وممارساته، أو المفاهيم والأطروحات الدينية والمذهبية المعتمدة رسمياً، أو إزاء ما يعتبر قضايا (قومية وطنية، أمنية) تعتبر ماسة بالسيادة. ووصل الأمر إلى اعتبار تناول صحة الرئيس أو قائد الدولة، أو انتقاد رجالات الصف الأول أو الوزارات السيادية فيها من المحرمات التي تستوجب العقوبات الرادعة. ولا ننسى هنا دور القوى الاجتماعية المحافظة والجماعات الدينية المتشددة ذات النفوذ الواسع، التي تتسربل بالمقدس الديني أو العرف الاجتماعي وتقف بالمرصاد إزاء الأطروحات الجديدة والمغايرة أو التي تتسم بالحداثة والتعددية السياسية، والاجتماعية، والثقافية أو أي أعمال أدبية وفكرية إبداعية، والتي ينظر إليها بأنها لا تتطابق وتلتزم بالمقاييس الدينية، الاجتماعية، والفكرية الضيقة والجامدة السائدة. وهنا تصبح الفتاوى التكفيرية والتشهير والقذف ورفع دعاوى الحسبة والمحاكمات التعسفية، التي تتم في الغالب بدعم وتشجيع من قبل أطراف متنفذة في الدولة سيفاً مسلطاً لإخراس وترهيب وتكميم أفوه الكتاب والمفكرين والصحافيين من أصحاب الرأي الحر أو المستقل. وما يساعد على ذلك هو انتفاء استقلالية القضاء وتبعيته المباشرة للسلطة الحاكمة ووجود مفاهيم فضفاضة في القانون أو النظام قابلة للتعميم والتأويل التعسفي، إلى جانب وقوع جميع أو غالبية وسائل الإعلام (المكتوب والمرئي والمسموع) تحت هيمنة ونفوذ الدولة (الترخيص، الدعم المالي، تعيين رؤساء التحرير، والإعلانات) والمتنفذين فيها. كما تلجأ السلطات العربية إلى فرض أساليب الرقابة والمنع والمصادرة في حق الصحف ووسائل الإعلام الأخرى ومن ضمنها المدونات والمنتديات الثقافية ومواقع الشبكة الإلكترونية. لحظ التقرير أن اتفاق الحكومات العربية على وثيقة تنظيم البث الفضائي يؤكد تشابه غالبية الأنظمة العربية، إن لم نقل تطابقها، في التعاطي السلبي مع حرية الصحافة، بل معاداتها وتجاوزها »لخلافاتها« حين يتعلق الأمر بانتهاك حقوق الإنسان. وتجدر الإشارة إلى الاتفاق الجديد بين الأنظمة العربية على وثيقة تنظيم البث الفضائي للمزيد من تأكيد تشابه الأنظمة العربية، إن لم نقل تطابقها، في التعاطي السلبي مع حرية الصحافة، بل معاداتها وتجاوزها «لخلافاتها» حين يتعلق الأمر بانتهاك حقوق الإنسان.
إن التقرير في جميع الأحوال رغم سوداوية الأوضاع التي يرصدها يبقى من باب الأمل والتفاؤل أن ننوه بكل التضحيات التي يقدمها الجسم الصحافي في مختلف بقاع الوطن العربي دفاعاً عن حرية الكلمة وعن الكرامة، إلى جانب كل الديمقراطيين والحقوقيين، ونجاحه رغم كل أشكال القهر في فتح هوامش للتعبير ببعض الدول وتحقيق مكاسب مهمة في هذا البلد أو ذاك رغم هشاشتها وقابلية التراجع عنها من طرف الحكام، ما يفتح بلا شك اليوم أو غداً نافذة حقيقية لحرية الصحافة والرأي والتعبير.
وللحديث صلة
* التقرير لم يتناول القمع الذي يطال المواقع والمدونات الإلكترونية عبر حجبها أو تخريبها وفرض شروط قاسية وتعجيزية على مقاهي الإنترنت. واعتقال وسجن المدونين إلى منع ولوج المواقع التي لا ترغب فيها السلطة بدعاوى مختلفة وعقاب المخالفين.
* أصدرت منظمة «مراسلون بلا حدود» تقريرها السنوي الذي يغطي الفترة ما بين 3 مايو/أيار 2008 إلى 3 مايو/أيار .2009
* عن "الوقت" البحرينية
