طبـاعةحفـظارسالBookmark and Shareمشاركة
الجمعة 18 ذو القعدة 1430هـ - 06 نوفمبر 2009م

تراجع الخيار العسكري وأكذوبة الضربة الإسرائيلية

 

علي بدوان

بالرغم من المؤشرات القوية التي تشي بفشل اتفاق تخصيب اليورانيوم خارج إيران، كما طالبت دول مجموعة (5 + 2) في مباحثات فيينا مع الطرف الإيراني، ينحو بعض المراقبين للقول بأن واشنطن أمست متعبة من الشد والاسترخاء في ما يخص الموضوع الإيراني، وتهلهل الإجماع الدولي معها والاصطفاف على الطرف الآخر من رؤيتها في ما يخص عزل إيران واستهدافها، خصوصاً من قبل روسيا والصين وبعض الدول الأوربية.

وانطلاقاً من ذلك، يبني المراقبون تقديرات جديدة، مفادها أن إدارة الرئيس باراك أوباما أصبحت تفضل التسوية السياسية مع إيران وفق نظرية الاحتواء، حيث بات خيار الضربة العسكرية مغامرة غير محسوبة العواقب، فضلا عن كونه خياراً فاشلاً بعد أن ثبت فشله في العراق، وذلك خوفاً من مستتبعات أي هجوم على إيران، كالمستتبعات الاقتصادية وانعكاساتها المتوقعة على الولايات المتحدة قبل غيرها، والتي ستشتد حدتها فيما لو نفذ الهجوم الجوي الذي سيؤدي على الأرجح إلى تلغيم مضيق هرمز وإغلاقه أمام حاملات النفط العملاقة.

فإيران التي تقع على أحد أبر مضائق الطاقة في العالم، قادرة علي تلغيم مضيق هرمز واستهداف حاملات النفط العملاقة بالصواريخ، وبالتالي إغلاق المضيق، الشريان الحيوي لتدفق النفط إلى كل من آسيا وأوروبا، وذلك فقط بإغراق واحدة من ناقلات نفطها فيه، بينما تتطلب إعادة فتحه في ظروف هادئة عامين بحسب التقديرات الأميركية.

زد على ذلك أن بعض صناع القرار في الولايات المتحدة، يعتقدون أيضاً أن الدبلوماسية والحوار أنجزا في محطات هامة ما عجزت عن إنجازه آلة الحرب والدمار، حتى حين يتعلق الأمر بتغيير الأنظمة والسياسات. ويرى هؤلاء أن الفائدة الإضافية طويلة الأمد لخيار التسوية السياسية، ولهذه المقاربة الدبلوماسية الدراماتيكية المختلفة، هي أنها يمكن أن تساعد بشكل فعال على إعادة إيران إلى دورها التقليدي، ولو بالحد الأدنى من التعاون مع الولايات المتحدة، وفق زصيغة ماس لضمان الاستقرار في منطقة الخليج، خصوصاً مع الموقف الإيراني المعروف حيال تنظيم القاعدة وما يجري في آسيا الوسطى.

وفي مقابل ذلك، فإن في طهران من يعتقد أن واشنطن لن تقدم على مغامرة عسكرية كبيرة ضدها، فهي عملية غير مضمونة النتائج، على اعتبار أنه ليس بإمكان أحد حصر نيرانه بغارة جوية ورد صاروخي وتنتهي المسألة. فإيران دولة كبيرة بمساحتها، وتتمتع بقدرات عسكرية منظورة وغير منظورة لا يستهان بها. كذلك فإن إيران تمتلك أجهزة استخبارات داخلية وخارجية، ومؤسسات داخلية قوية. كما أن سعي إيران للدفاع عن برنامجها النووي يعتبر تحدياً جاداً للهجمات الجوية الأميرية، خاصة وأن طهران قد نشرت برنامجها في أمان مختلفة من أراضيها الواسعة، والتي تساوي أربعة أضعاف مساحة العراق، وأثر تضاريس منه.

وفي ضوء المعلومات المحدودة حول مواقع البرنامج النووي، ونظراً للمشكلة الشائعة المتعلقة بالمعلومات المضللة من جانب إيران، فمن الصعوبة لأميرا أن تخمن بصورة مناسبة وصحيحة ما يمن أن يحدث لهجوم جوي محتمل، حيث من غير الممن تقريباً معرفة ما هو الحجم الذي يمن تدميره، وما هي الخيارات الإيرانية في مواجهة أي هجوم جوي أمريكي إسرائيلي.

عدا عن ذلك، فإن أي عمل عسكري يستهدف طهران، لا بد أنه سيشعل فتيل حرب واسعة في المنطقة. فرغم الشائعات التي يتم الترويج لها بين الحين والآخر، حول احتمال وقوع هجوم جوي أمريي أو إسرائيلي ضد إيران، فإن هناك تحديات كثيرة أمام مثل هذا الهجوم، وأهمها وجود خيارات كثيرة متاحة أمام إيران للرد على الهجوم، مع وجود قائمة شاملة من الخيارات الانتقامية من جانب طهران، ومن المؤكد أن إيران سترد بالفعل، وبطريقة مؤذية جداً.

وسيشمل الرد الإيراني القوات الأميركية نفسها، ليس على مدى انتشارها في دول آسيا الوسطى المجاورة لإيران فقط، بل أيضاً ومن ضمنها طبعاً أفغانستان، مروراً بالعراق حيث تقيم واشنطن قواعد عسكرية فوق الأراضي العراقية، وفي الخليج ذاته، حيث تنتشر القطع البحرية العسكرية الأمريكية العملاقة، والتي تقع في مرمى الصواريخ الإيرانية التقليدية قصيرة المدى.

وعليه، وفي ضوء الخيارات الكثيرة المتاحة أمام إيران للرد، فإن أي إجراء عسري أمريكي أو إسرائيلي، سيون عديم الجدوى ومآله الفشل.

إضافة إلى ما سبق، ووفقاً لتقرير دولي جرى تسريبه منتصف أيلول/ سبتمبر الماضي وعلى نطاق محدود، فإن الولايات المتحدة، ومع وجود ترسانة عملاقة وقوية من القدرات الجوية، لا يمكنها بسهولة الاطلاع على درجة وحجم تعزيزات ومقاومة المنشآت النووية الإيرانية، وهذا الأمر يخلق مصاعب أمام واشنطن. فالصور التي تلتقطها المحطات الفضائية الأميرية هي الأثر تقدماً من نوعها في العالم، ولن التصوير هو أحد عناصر جمع المعلومات، ولا يكفي وحده لتقرير الأمور بدقة ونجاح.

فالتحولات الجارية مثلاً في إحدى المنشآت داخل إيران، تتطلب وجود عناصر معلوماتية لاستمال عنصر التقاط الصور من الفضاء، وهو أمر غير متوفر لواشنطن وفق التقرير الدولي المذكور، والذي يضيف أن الولايات المتحدة، وبعد سقوط الشاه وإقامة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، قد فقدت معلوماتها الميدانية في هذا البلد.

وعليه، فإن خيار العمل العسكري ضد إيران يتقلص الآن أكثر من أي وقت مضى، بالرغم من التحريض الإسرائيلي والرغبة الجامحة لدى نتنياهو لتنفيذ عملية عسكرية جوية أمريكية إسرائيلية ضد إيران. وفي هذا المقام أيضاً، فإن من السذاجة القول بأن إسرائيل ستبادر لتنفيذ ضربة جوية ضد إيران، بعيداً عن الإرادة والقرار والمشاركة الأميركية اللوجستية والميدانية المباشرة.. فضلا عن التغطية السياسية وحتى المالية.


نقلا عن "البيان" الإماراتية

عودة للأعلى