عكس الجدل بين الاكراد وكل من العرب والتركمان حول جداول انتخابات كركوك ما وصل اليه غلو الانغلاق دون الآخرين. كما دلل على أن المحاصصة العرقية والطائفية تؤصل لنزاعات متوالية التفجر. والظاهرة ليست عراقية خاصة، وانما هي شبه عربية عامة. إذ تلوح في أفق أكثر من قطر عربي نذر نزاعات عرقية أو طائفية أو جهوية تهدد وحدة ترابه الوطني ونسيجه المجتمعي. بل وتمس في الصميم أمن واستقرار النظام الإقليمي العربي. مما يجعل في مقدمة ما يواجه الفكر والعمل العربي العام، الوقوف بموضوعية مع اشكاليات الاقليات، وذلك بحوار الاكراد والامازيغ ونظرائهم في كل قطر عربي، باعتبارهم شركاء مسيرة ومصير، في ضوء حقائق التاريخ ومعطيات الواقع والقانون الدولي. وعملا بهذه الرؤية أذكّر بالحقائق التالية:
1 - توالت منذ فجر التاريخ الهجرات من شبه الجزيرة العربية إلى الهلال الخصيب ووادي النيل والشمال الإفريقي. وباندماج المهاجرين بشعوبها تأصلت لديها قرابة سلالية ولغوية، تصلها بقبائل وشعوب شبه الجزيرة. وما بين 525 ق. م وحتى 640 م تعاقبت على المنطقة سيطرة الفرس واليونان والرومان وبيزنطة. وبرغم ذلك حافظت شعوبها على تمايزها قوميا ولغويا. في حين أن غالبيتها تعربت خلال القرن الأول الهجري، وحافظت على هويتها ولغتها العربيتين برغم سقوط السلطة السياسية للنخب العربية منذ صدر العصر العباسي الثاني. ما يؤكد أن التعريب إنما كان تتويجا للتفاعلات البشرية التي تواصلت منذ فجر التاريخ، وأنه باتفاق مع تراكمات تاريخ شعوب المنطقة ومواريثها الثقافية.
2 - نظرت شعوب المنطقة للفتح العربي الإسلامي كمحرر لها من السيطرة الأجنبية، ما يسر تفاعلها مع الفاتحين، كما مع الذين تدفقوا على المنطقة وقد غدت مركزاً حضارياً جاذباً. وبالتفاعلات الواسعة والعميقة بلور الجميع تركيباً بشرياً عربي اللغة والثقافة وأنماط السلوك. والعروبة بالتالي غير عنصرية إذ تكونت الأمة العربية بالانتماء الحضاري وليس الانتساب السلالي، فضلا عن تميزها بطبيعة تركيبية تضم التنوع ضمن إطار الوحدة.
3 - خلافاً للادعاءات الاستشراقية بأن الوطن العربي عبارة عن لوحة فسيفسائية من الأعراق والأديان والمذاهب، فالذي تؤيده الدراسات العلمية تميز الأقطار العربية بارتفاع نسبة التجانس والاندماج على محاور السلالات التاريخية، والدين والمذهب، واللغة والثقافة والقيم وأنماط السلوك. وقد بين “مشروع استشراف المستقبل العربي”، الذي أجراه مركز دراسات الوحدة العربية “بمشاركة مائة وخمسين عالما مختصا، أن العرب لغة وثقافة يجاوزون 88% من مواطني الوطن العربي، وبما لا يقل عن 75% في أي قطر، فيما المسلمون 91% على المدى القومي وبما لا يقل عن 70% في أي قطر.
4 - على مدى التاريخ العربي الاسلامي تواصلت التفاعلات في سائر الأنشطة الحياتية بين المواطنين على اختلاف أصولهم وأديانهم ومذاهبهم. ولقد اختفت أو كادت ظاهرة انعزال بعض الجماعات في المناطق الجبلية أو في أحياء خاصة. وكذلك هو الأمر بالنسبة لتزايد نسبة من يتزوجون من خارج فئتهم. وفي مواجهة العدوان الخارجي كان لنخب وجماهير مختلف التكوينات الاجتماعية مشاركات فاعلة.
5 - خلال القرنين الثامن والتاسع عشر استغلت الدول الاوروبية، خاصة فرنسا وبريطانيا، ضعف العثمانيين لتوسع وتعمق اختراقها للولايات العربية، موظفة امتيازات “الحماية” في ربط بعض الجماعات بها ربط تبعية. كما أنها من خلال مدارس الارساليات، والمدارس التي مولتها ورعتها، ارست قواعد ثقافة اقلوية موازية للثقافة العربية الاسلامية. ولم تسلم من ذلك سوى مصر، إذ رفضت الكنيسة القبطية عرض الحماية البريطانية، والتقت مع العلمانيين الاقباط في رفض النص في دستور 1923 على تخصيص مقاعد للاقليات في المجالس النيابية. مؤكدين أن الاقباط لا يعتبرون أنفسهم أقلية، وإنما هم جزء لا يتجزأ من النسيج الوطني المصري، والقناعة واسعة لدى نخبهم بأنه يستحيل عليهم التفاعل الإيجابي مع محيطهم الوطني والقومي العربي إلا إذا تصرفوا باعتبارهم من مكوناته.
6 - نصت المادة (27) من “الاتفاقية الدولية للحقوق المدنية والسياسية “الصادرة عن اللجنة العامة للأمم المتحدة سنة ،1966 وتمت المصادقة عليها سنة ،1976 على أن “حق الاشخاص الذين ينتمون إلى أقليات ينحصر بالتمتع بثقافتهم، والاعلان عن ديانتهم واتباع تعاليمها، أو استعمال لغتهم”. 8 - لم تعد في عالم اليوم أي فرصة لدويلات عرقية أو دينية أو طائفية، وإن وجدت فهي مضطرة لأن توظف في خدمة القوى الدولية والاقليمية. فضلا عن أن الاتحادات الكبرى غدت وحدها وسيلة مواكبة تطورات العصر. ويعلمنا التاريخ أنه ليس في صالح أي جماعة تدمير علاقاتها التاريخية بمحيطها القومي، أو الاعتماد على القوى الدولية والاقليمية المعادية له.
مما سبق يتضح أن جميع أصحاب الوجود الطبيعي والتاريخي في أي قطر عربي، مواطنون في أقطارهم، ولهم فيها كامل حقوق المواطنة. فضلاً عما نصت عليه الاتفاقية الدولية بخصوص الأقليات. وكل تجاوز لذلك مرفوض في الفكر والعمل القومي العربي، كما تنص على ذلك مواثيق وادبيات المؤتمر القومي العربي. ولأنهم مواطنون متساوون في الحقوق والواجبات، فهم ملتزمون بمتطلبات المواطنة، خاصة الحرص على وحدة التراب الوطني والنسيج المجتمعي في القطر الذي ينتسبون إليه، والتفاعل الإيجابي مع المحيط القومي العربي والثقافة العربية الإسلامية.
نقلا عن "الخليج" الإماراتية