محمد الصياد
إعلان الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون بأنه أمر بتسريح 200 من مراقبي الانتخابات التابعين للأمم المتحدة الذين شاركوا في مراقبة الانتخابات الأفغانية في جولتها الأولى، وذلك بعد أن نجحت الضغوط الأمريكية والأوروبية في اقناع الرئيس الأفغاني حامد قرضاي بالتراجع عن اعتبار نفسه فائزاً بغالبية الأصوات الساحقة في الانتخابات أمام منافسه وزير الخارجية الأسبق وعضو تحالف الشمال عبدالله عبدالله الذي شارك في اطاحة حكم طالبان، والقبول بخوض جولة ثانية وحاسمة من الانتخابات قبل أن يعود ويعلن رفضه خوض الجولة الثانية احتجاجاً على إصرار قرضاي الاحتفاظ برئيس اللجنة الانتخابية وطاقمه بعد أن تحولت طبخة تعويم قرضاي إلى فضيحة للأمريكيين والأوروبيين المتورطين جميعاً في عملية تزوير الانتخابات.
وكما صار معروفاً أيضاً فإن الأمم المتحدة هي الأخرى متورطة في فضيحة التزوير لصالح الرئيس قرضاي، وهو ما فضحه أحد كبار مسؤولي الأمم المتحدة الذين أشرفوا على جولة الانتخابات الأولى والذي دفع ثمناً لذلك باطاحته على يد الأمين العام بان كي مون من منصبه.
ولذلك يأتي قرار بان كي مون باستبدال مائتي رئيس لجنة انتخابية في اطار عملية “استدارة رشيقة” ترمي إلى رفع آثار تواطؤ أجهزة الأمم المتحدة في “عملية تعويم” الرئيس قرضاي وذلك رغم ما علق بمصداقية بان كي مون من شكوك جراء اقالته للمسؤول الأممي الذي كشف فضيحة تورط الأمم المتحدة في عملية التزوير.
في الوقائع أن نائب بعثة الأمم المتحدة المكلفة الإشراف على الانتخابات الأفغانية بيتر جالبريث اتهم علناً في مؤتمر صحافي عقده في كابول في الأسبوع الأول من أكتوبر/ تشرين الأول المنصرم، اتهم رئيسه، أي رئيس البعثة الأممية “كي ايدي” بأنه أخفى أدلة دامغة على وجود تزوير واسع النطاق في الانتخابات الأفغانية، وإن هذا التزوير الضالعة فيه الأمم المتحدة قد جير لصالح الرئيس الأفغاني حامد قرضاي. وبعد أيام قام أمين عام الأمم المتحدة بإقالة بيتر جالبريث من منصبه عقاباً على “كشف المستور”.
وفي الثاني من أكتوبر/ تشرين الأول 2009 عقد “كي ايدي” رئيس بعثة الأمم المتحدة المكلفة مراقبة سير الانتخابات الأفغانية، مؤتمراً صحافياً اضطرارياً لدفع هذه الاتهامات والشبهات عنه وعن المجموعة التي يأتمر بأمرها في المنظمة الدولية. حيث اضطر للاقرار بوجود “تزوير ذي شأن” في الانتخابات الأفغانية التي جرت في العشرين من أغسطس/ آب الماضي.
ومن الطبيعي ان تصدم مثل هذه الوقائع أولئك الواقعيين المعولين على المنظمات الدولية وفي مقدمتها الأمم المتحدة، في التخفيف من غلواء كواسر النظام الدولي ومراكز قواه الاقتصادية النافذة. وهذه فرضية مفهومة تماماً على أية حال، فالأمم المتحدة و”بناتها” المتفرعات عنها والمنظمات الدولية الأخرى القرينة والزميلة العاملة في مجالات تنموية مختلفة، هي القواسم المشتركة الوحيدة المتاحة أمام الأسرة الدولية للتعامل الجماعي برأفة وشهامة بشرية مع موارد الأرض وقاطنيها من البشر، وحمايتها من بطش وبطر القوى الجشعة المتربصة بها أبداً.
فإذا كانت هذه المنظمات هي الأخرى مخترقة من قبل لوبيات المال و”أغطيته السياسية”، فكيف للعالم أن يأمن على مستقبله؟ وكيف لأولئك “المتعشمين” في “حيادية” وجدية الأمم المتحدة وأربابها وربيباتها أن يضمنوا صدقيتها وحياديتها خصوصاً وانها اليوم تتصدى لقضية عالمية كبرى في غاية الالتباس بقدر ما انها في غاية الخطورة حسبما يذهب إلى ذلك الخبراء العالميون الذين انتدبتهم الأمم المتحدة لتشخيص وتقدير خطورتها، ونعني بذلك قضية تغير المناخ؟
فما هي الضمانة بأن الحماسة غير العادية التي يظهرها الأمين العام كي مون لقضية تغير المناخ، بالتمام والكمال على مقاس التوجهات والمواقف المعلنة للدول الصناعية المتقدمة، بينما لا يظهر ذات الحماس و”النخوة” حين يتعلق الأمر بمشكلة حالة وواقعة فعلاً مثل مشكلة الجوع (هناك مليار جائع في العالم)، ومشكلة الفقر التي فاقمتها الأزمة المالية الاقتصادية العالمية التي اندلعت في سبتمبر/ أيلول العام الماضي بإضافة مائتي مليون انسان إلى قائمة الذين يعيشون تحت خط الفقر الذي حددته الأمم المتحدة نفسها؟!
وحين نأتي للناحية العملية، أي لآليات وطبيعة عمل المنظمات الدولية سنجد أن الأمم المتحدة هي مجلس الأمن الذي تسيطر عليه القوى العظمى وتحديداً القوى الغربية الثلاث: الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا التي تتمتع بحق الفيتو إضافة إلى روسيا والصين، تاركين الجمعية العامة “لجمهرة” الدول النامية لاستخدام منبرها لإلقاء خطبهم الوعظية والبكائية مرة كل سنة، فيما لا يزال الغربيون يختصون أنفسهم بالمراكز المهمة والحساسة في المنظمة ومؤسساتها المتفرعة.
ولذلك لسوف يبقى مطلب اصلاح الأمم المتحدة، من وجهة نظر ومن زاوية مصالح الدول النامية التي تشكل الغالبية الساحقة للدول الأعضاء في المنظمة، مطلباً ملحاً يتعين طرحه وابرازه من قبل قادة وكبار مسؤولي الدول النامية في كل المحافل الدولية التي تتوفر فيها الفرصة لإثارة موضوعه الذي يشكل أحد أهم عناصر عدم التوازن السائد في العلاقات الدولية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
عن "الخليج" الإماراتية
