د.
رغيد الصلح
لسنوات عدة تلت انهيار الاتحاد السوفييتي، اتسمت النظرة السائدة تجاه روسيا في بعض الأوساط الدولية بمزيج من التشفي والارتياح. فلقد سقط الجبار الذي كان يهدد النظام الدولي بل نظام الدول كله بالزوال. وانقضى عهد أولئك الذين كانوا يلوحون بحتمية الثورة العالمية بقيادة روسيا البلشفية. وتحولت قلعة الاشتراكية في العالم إلى حصن لشتى أنواع العصابات والحرامية من الاوليغاركيين، الذين انهمكوا في سرقة أموال الخزينة الروسية أو ما تبقى منها.
لم يبق من الامبراطورية السوفييتية التي كانت تنشر أجنحتها في الشرق والغرب إلا الكرملين حيث كان يقيم الرئيس السكّير بوريس يلتسين. وبدلاً من الزعماء السوفييت الذين كانوا يطلقون التهديدات المرعبة ويهددون ب “دفن الأعداء في مياه المحيطات” تحول يلتسين إلى كاريكاتير حي، وباتت هفواته وسقطاته مصدراً لا ينضب للتندر والسخرية في المجتمع الدولي. ولئن بدأت الامبراطورية من إقليم موسكو فإنها بدت وكأنها قد تقلصت وتراجعت إلى حدود ذلك الإقليم. وبينما كان حكام موسكو في الأيام الخوالي يعينون الرؤساء والزعماء والقادة في الدول القريبة والبعيدة، فإذا بحاكم الكرملين يعجز عن تعيين حكام الأقاليم الروسية، وعن إصدار الأوامر إليهم وضمان طاعتهم وانضباطهم.
تحولت الامبراطورية المنهارة إلى أشبه بسوق المواد المسروقة الذي يشتري منه التجار الشطّار البضائع الثمينة بأرخص الأسعار. فخلال تلك المرحلة تنافس الأمريكيون والأوروبيون على وضع أيديهم على الدول التي خرجت من المنظومة الاشتراكية. تراكض الآخرون إلى بقايا الامبراطورية السوفييتية وفي أيديهم “قائمة تسوق-شوبنغ ليست” لها أول ولكن ليس لها من نهاية. الإدارة الأمريكية بدأت تلتقط الجمهوريات السوفييتية السابقة الواحدة تلو الأخرى وتضيفها إلى مقتنياتها. القطاع الخاص الأمريكي بدأ يفكر جدياً في شراء سيبيريا بما تحويه من ثروات هائلة.
كل ذلك يبدو اليوم وكأنه فصول من تاريخ سحيق لا علاقة بما يجري اليوم على الأراضي الروسية. فموسكو لم تستعد سيطرتها وسلطانها على الأقاليم الروسية فحسب، ولكنها باتت تتطلع إلى استعادة “زبائنها” القدامى. إلى هؤلاء أرسل الكرملين “الرسالة الجيورجية” القاسية. جاء في تلك الرسالة أن الذين شطبوا روسيا من قائمة الكيانات الكبرى سوف يدفعون ثمناً باهظاً، وأن الذين ساهموا في تفكيك الامبراطورية السوفييتية كما فعل حكام جيورجيا من أمثال إدوارد شيفارنادزه وشاكاسفيلي، سوف ينالون نصيبهم من الخسار والإذلال.
“الرسالة الجيورجية” كانت إنذاراً صريحاً مباشراً لا لبس فيه إلى حكام الدول القريبة من الأراضي الروسية. ولكن في جعبة روسيا رسائل كثيرة توجهها إلى الأطراف الدولية التي لا تزال مصرة على شطبها من لائحة النافذين في العالم. في هذه الرسالة تستطيع موسكو تذكير هؤلاء بالأخطاء الكارثية التي ارتكبها حكام دول كبرى استخفوا بقوة روسيا فدفعوا ثمناً باهظاً بسبب ذلك الاستخفاف. باستطاعة موسكو التذكير بالكارثة التي لحقت بجيش نابليون بونابرت الذي وصل إلى مشارف العاصمة الروسية لكي ينكفئ عنها مثقلاً بالقتلى والجرحى والأمراض الفتاكة. وباستطاعة موسكو التذكير بالحرب الانتحارية التي شنها هتلر فقادته إلى الهزيمة الشاملة.
اذا كان هناك من يشك في ما جاء في هذه الرسائل، فإن موسكو تعمل على تأكيد صوابها على كل صعيد. آخر هذه التأكيدات سلسلة من التحركات على المستوى العسكري التي شملت مناورات مشتركة أجرتها خلال منتصف شهر اكتوبر/ تشرين الأول المنصرم في إطار “منظمة معاهدة الأمن الجماعي” التي تضم عدداً من دول الجمهوريات الآسيوية، إضافة إلى أرمينيا وبيلوروسيا. إضافة إلى ذلك أجرت روسيا مناورات مشتركة في النصف الأخير من نفس الشهر مع بيلوروسيا لصد هجوم محتمل من قبل “جهات إرهابية” وحلف الناتو.
سعت بعض المصادر في الغرب إلى التقليل من أهمية هذه المناورات والتشكيك في فعاليتها، ولكن هذه المساعي لم يكتب لها نجاح كبير. فلقد سلطت الأنظار على غياب بيلوروسيا عن مناورات الأمن الجماعي في محاولة للايحاء بأنها ابتعدت عن روسيا، ولكن المناورات المشتركة بين الجانبين اسقطت هذه الايحاءات كلياً. أما أهمية التحركات العسكرية الروسية فقد أكدتها المؤتمرات والاجتماعات المستمرة التي عقدها قادة دول أوروبا الشرقية وقادة الحلف الأطلسي للنظر في هذه التحركات وتقييم أثرها ونتائجها على الصعيدين الأوروبي والأوراسي.
هذه المنازلة سببت لروسيا صعوبات اقتصادية واستراتيجية إذ حرمتها، ولو لوقت قصير، من عائدات النفط والغاز، وأثرت تأثيراً سلبياً في علاقاتها مع أوروبا الغربية. للخلاص من الابتزاز الذي تمارسه بعض دول أوروبا الشرقية وخاصة أوكرانيا تجاه روسيا، باشرت موسكو في بناء خط لتصدير أنابيب النفط والغاز يربط الأراضي الروسية مباشرة بدول أوروبا الغربية. هذا العمل سوف تكون له نتائج استراتيجية كبرى على صعيد علاقات روسيا الخارجية. خط الأنابيب هذا سوف ينزع من يد الأوروبيين الشرقيين، ومن ثم حلفائهم الأطلسيين، وسيلة مهمة للضغط على موسكو وابتزازها ليس اقتصادياً فحسب، وإنما سياسياً أيضاً. إسقاط هذا السلاح سوف يمنح موسكو المزيد من حرية الحركة ومن النفوذ القاري والدولي.
هذه التطورات تخدم المصالح العربية على أكثر من وجه. ففي الصراع على النفوذ وعلى مواطئ القدم الاستراتيجية للعرب مصلحة في نهوض روسيا، التي كانت، هي والصين، أقرب الدول الكبرى إلى المجموعة العربية. فضلاً عن ذلك، فإن للعرب مصلحة أيضاً في تعديل موازين القوى بين روسيا وجيرانها في أوروبا الشرقية. لقد وقف بعض هؤلاء الجيران، للأسف، مواقف مسرفة في معاداتها ضد العرب. ففي كل عدوان مارسه “الإسرائيليون” ضد العرب، كانت ترتفع أصوات حكام أوروبيين شرقيين، في تعضيد العدوان “الإسرائيلي” بدعوى أن “ل “إسرائيل” الحق في الدفاع عن نفسها”. بيننا وبين هذه الحكومات والدول لا توجد لعبة صفرية. إننا لا نعتبر كل خسارة تلحق بها كسباً نسجله. ولكن هناك أكثر من مبرر للاعتقاد بأن الصعود القاري والدولي للأصدقاء الروس سوف يحد من غلواء زعماء أوروبا الشرقية ومن محاباتهم لأطراف دولية معادية للعرب ولمصالحهم المشروعة.
عن "الخليج" الإماراتية
