الكتابة عن المسألة السودانية وعديد مخاطرها الآنية والمستقبلية تبدو موشومة بالحساسيات والمحمولات النفسية المحتقنة, ناهيك عن بعض الالتباسات, والنيات سلبية المقاصد, من بعض اطراف الصفوة السياسية الحاكمة والمعارضة, والجماعة الثقافية السودانية, إزاء بعض المتابعات أو الآراء التي تنشر في الصحافة المصرية, علي قلة ما يكتب ويستدعي التوقف مليا أمامه بالجدية الواجبة, بعض التوتر في الخطاب السياسي السوداني والصحفي إزاء مصر, مرجعه انه غالبا ما يطرح مجموعة من المقولات السلبية التي تستعاد وتوظف من تاريخ العلاقات بين البلدين الشقيقين كي يلعب دورا تعبويا في اثناء الأزمات الداخلية أو الاقليمية التي لاتستطيع الصفوة الحاكمة, أن تديرها بكفاءة وعقلانية وخيال سياسي خلاق, يبدو لي أن عودة الحديث مجددا عن مثلث حلايب وشلاتين واعتباره إحدي الدوائر الانتخابية المقبلة, هو تعبير عن تفاقم أزمة إدارة المسألة السودانية, في ضوء عديد الاعتبارات ومنها:
1 ـ الضغوط الدولية علي الحكومة والنظام من خلال الاتهامات الموجهة من المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية ـ لويس اكامبو ـ للرئيس البشير ومعه وزير الشئون الانسانية هارون, وقائد الجنجاويد علي كوشيب, وهم مجموعة ضمن آخرين تطالهم اتهامات بارتكاب جرائم ضد الانسانية في دارفور.
2 ـ استمرارية تطبيق العقوبات الأمريكية علي السودان, بوصفها دولة داعمة للإرهاب.
3 ـ فشل الديبلوماسية السودانية في إدارة بعض ملفاتها التفاوضية مع الفصائل المسلحة في اقليم دارفور, سواء في الدوحة تحت اشراف الحكومة القطرية أو مع الحكومة الفرنسية بخصوص ملف تشاد, أو جماعة العدل والمساواة/ فصيل عبدالواحد نور المقيم في باريس.
4 ـ فشل جميع محاولات المصالحة الافريقية والعربية مع تشاد والرئيس ادريس ديبي, وذلك لاعتبارات تتصل بالتداخل القبلي والعرقي ـ قبيلة الزغاوة ـ بين تشاد وإقليم دارفور من ناحية, والمحاولات المتتالية لاسقاط ديبي عبر دعم المعارضة التشادية, أو دعم ديبي لبعض الفصائل الدارفورية المسلحة والمعارضة للنظام.
5 ـ المناورات وغياب تصورات واقعية وسياسية للتعامل مع حالة التهميش التاريخي والسياسي والثقافي والاجتماعي لابناء دارفور وقبائلها الافريقية, في إطار سلطة ما بعد الاستقلال واحزابها الطائفية أو غيرها, في استيعاب طبيعة التعددية العرقية واللغوية والمناطقية والثقافية وتعقدها, وثراءها, فسياسات الحكومة العسكرية الانقلابية, والمدنية والدينية ما بعد الاستقلال ركزت علي مسألة احتكار السلطة داخل التركيبة القبائلية الثلاثية للوسط النيلي, بكل ما تنطوي عليه من نزعة طائفية, واستعلاء عرقي باسم العروبة والإسلام علي التركيبات القبلية والدينية والمذهبية والعرقية في الجغرافيا السياسية والدينية السودانية في مناطق الجنوب والشرق وغرب السودان.
6 ـ لم تستطع سلطات ما بعد الاستقلال علي اختلافها, بلورة سياسات تعليمية وثقافية ولغوية قادرة علي استيعاب التعدديات والتنوع في الهويات والتكوين التاريخي للسودان, علي اسس ديمقراطية وتشاركيه, وثقافية مدنية لاتقوم علي الاستعلاء والنبذ والاقصاء والتهميش.
ان الثقافة الانقلابية للعسكريتاريا, والطوائفية لقبائل الوسط والصفوة الحاكمة التي خرجت من اعطافهما العرقية والدينية, ادت إلي عدم استقرار سياسي, وتقلبات وسمت غالب تاريخ سلطات ما بعد الاستقلال إلا فيما ندر, ومن ثم افتقر كلاهما للخيال والرؤي الخلاقة القادرة علي توليد استراتيجيات للتكامل والاندماج القومي تؤسس علي مؤسسات سياسية تتمايز عن الاطر الطائفية/ القبلية/ العرقية الحاملة لها.
لم تستطع صفوة السلطات العسكرية والمدنية ما بعد الاستقلال ان تتفهم الاماني والتطلعات المشروعة لاهالي دارفور, والبجا في شرق السودان, والدنيكا والشلك وغيرهم في الجنوب. الطابع اللامؤسسي والقبلي/الطوائفي/ الإسلامي وسم إدارة وممارسات سلطات ما بعد الاستقلال, وقصر التجنيد السياسي للصفوة السياسية والحزبية علي تركيبة الوسط الحزبية اساسا بكل محمولاتها وعلاماتها الطائفية والدينية والعسكرية. ترتب علي ذلك تهميش وغبن تاريخي لاهالي وقبائل دارفور في غالب قطاعات سلطة ما بعد الاستقلال, واجهزة الإدارة المدنية, وفي التعليم والخدمات والصحة والتوظيف, وكذلك في الجيش السوداني حيث عملوا في ادني مستويات السلم القيادي وفي تدني نسب قبولهم بالكليات العسكرية.
ثمة فشل تاريخي يعود إلي جذور ثقافية, دينية وتمركز عرقي حول صفوة الوسط النيلي. ثمة ملاحظة علي السلوك السياسي للصفوة الحاكمة في اعقاب انقلاب الانقاز, تتمثل في الاسلمة/ العرقية لمؤسسات السلطة علي اختلافها, وفي الاطر القانونية الحاملة لقيودها علي الحريات العامة والشخصية وباتت تشكل أحد ابرز العوائق إزاء المشاركة السياسية الفعالة, وانفاذ القواعد والمعايير الدولية لحقوق الانسان, ولاسيما الحريات الدينية, ورفع القيود عن حقوق المرأة السودانية علي اختلاف انتماءاتها الدينية والقبلية والعرقية.
تبدو نزعة المناورات غير البناءة إحدي ابرز سمات الصفوة السودانية الشمالية والجنوبية, حيث الميل إلي اتباع سياسة حافة الهاوية مع الأطراف الأخري, مع الحركة الشعبية لتحرير السودان, ومع المحكمة الجنائية الدولية وتشاد, ومصر, ومقترحات الجامعة العربية والولايات المتحدة, وفرنسا ودول المجموعة الأوروبية ومبادرة مبيكي الافريقية, مناورات ورسائل في جميع الاتجاهات, في محاولة لاستثمار عامل الوقت, والاعتقاد في انه يعمل لمصلحة السلطة الحاكمة بقيادة البشير/حزب المؤتمر/ الجيش السوداني.
الاجنحة الامنية المؤدلجة في حزب المؤتمر ـ وسابقا في الانقاذ مع الترابي ـ أكثر تشددا ورفضا للبراجماتية ـ لدي الرئيس البشير ووزير دفاعه ـ في التفاوض مع الفصائل الدارفورية, ومع شريك اتفاقية نيفاشا الحركة الشعبية بقيادة سلفاكير, الذي طرح مناورة حث ابناء الجنوب علي الانفصال للضغط المضاد علي حزب المؤتمر الوطني والملفات العالقة في البرلمان, وفي إدارة شئون الحكم, بحيث بات كل طرف يحكم نطاقا جغرافيا داخل الجغرافيا السياسية للسودان. اعتبار مثلث حلايب/ شلاتين دائرة انتخابية يشكل مناورة مع الحكومة المصرية كي تدعم الحزب والسلطة الحاكمة أكثر من ذي قبل, ومحاولة تعبئة قبائل الوسط النيلي, والبجا والنوبيين ضد مصر, وابعاد النظر عن حجم المخاطر الجسيمة التي تهدد وحدة وتكامل السودان, واحتمال تعرضه للانفصال والتفكك في أكثر من منطقة بكل مخاطر ذلك الداخلية والاقليمية, ونذر الحروب والنزاعات التي يمكن ان تتولد عن ذلك.
ثمة قضايا عالقة بين شريكي اتفاق نيفاشا تحتاج إلي حنكة وبراجماتية سياسية خلاقة لا مجرد لعبة المناورة التقليدية فقيرة الخيال كما يحدث الآن, ومنها قانون الاستفتاء, حيث يري المؤتمر الوطني ان انفصال الجنوب يتطلب مشاركة70% من المسجلين في جداول الاستفتاء, بينما رأت الحركة الشعبية ان ذلك لايتطلب سوي مشاركة50% من المسجلين في الجداول.
الخلاف ازاء قانون جهاز الأمن يدور حول سلطة الاعتقال التي يري المؤتمر الوطني اسنادها للأمن, وان يكون له قوة مسلحة, في حين ذهبت الحركة إلي ان الجهاز الأمني, لايعدو كونه جامعا للمعلومات ويحللها ويرفعها للسلطة, ودونما قوة مسلحة حتي لاتتحول إلي قوة موازية للجيش, ثمة خلافات حول التعداد الديموجرافي, حيث رفضت الحركة نتائج التعداد الذي تم مؤخرا, وثمة خلافات اخري حول النفط وعائداته والتشكيك في حجم الانتاج, وكذلك ترسيم الحدود في منطقة أبيي المتنازع عليها بين الشمال والجنوب بعد صدور قرار التحكيم الدولي واستخدام النزاعات القبلية حولها لعرقلة تنفيذ قرار التحكيم. من محاور الخلاف بين الطرفين أيضا قانون المشورة الشعبية حول جبال النوية والنيل الارزق, وتحديد موقعهما الاداري, وهل من حق الحركة الشعبية المطالبة به أم لا, لانه غير منصوص عليه في الدستور ولانه بروتوكول منفصل ملحق باتفاقية السلام, في حين تذهب الحركة إلي مطالبة الحكومة المركزية به. كلها محاور خلاف تحتاج إلي رؤية خلاقة تتجاوز الخلافات للحفاظ علي الحد الادني من احتمالات استمرار الوحدة, بينما المناورات الهامشية تشير إلي مخاطر التفكك والانفصال ونذر صراعات وحروب قادمة من أسف وأسي معا.
عن "الأهرام" المصرية