سركيس نعوم
حكاية "ابريق الزيت" الحكومي لا تزال مستمرة منذ أكثر من أربعة أشهر. فيوماً يتفاءل اللبنانيون بقرب انفراج الازمة الحكومية. ويوماً آخر يتشاءمون. ويوماً ثالثاً "يتشاءلون"... وهكذا دواليك. وانتقالهم بين الحالات الثلاث هذه يرتبط رسمياً بعقدة "التيار الوطني الحر" وزعيمه ومؤسسه العماد ميشال عون باعتبار ان التمثيل الحكومي للاطراف الآخرين صار محسوماً الى درجة كبيرة. ويرتبط ايضاً بعقدة أخرى هي تمثيل مسيحيي فريق 14 آذار التي يبدو ان مصيرها صار متشابكاً مع مصير عقدة عون وخصوصاً عندما صار هم الأخير الغاءهم سياسياً بابعاد أكثرهم خطراً عليه من الحكومة او باستئثاره بحصة الاسد من التمثيل المسيحي وعندما صار هم أخصامه المسيحيين ابعاد كأس الالغاء أو الاضعاف عنهم والتهميش. ويرتبط أخيراً وإن في صورة عملية بالأهداف الفعلية التي يصرّ فريق 8 آذار بقيادة "حزب الله" على تحقيقها والتي تخدم الاستراتيجيا الاقليمية لأحد طرفي المواجهة الكبيرة الدائرة في الشرق الأوسط، والمكوَّن على ما هو معروف من سوريا بشار الاسد والجمهورية الاسلامية الايرانية.
هل من معلومات دقيقة عند جهات داخلية واخرى خارجية عن مستقبل حكاية "ابريق الزيت" هذا وموعد انتهائها وتطورات استمرارها واسباب هذا الاستمرار؟
لن نخوض في هذه العجالة في بحث معمّق يربط الماضي بالحاضر سواء اثناء الحروب في لبنان أو بعدها ويربط أوضاع لبنان بأوضاع المنطقة وازمتها المزمنة (قضية فلسطين) والأزمات التي تفرعت عنها والأخرى التي نشأت بعدها ويربط مصير الأزمة الحكومية التي هي أزمة نظام وحكم وصيغة وهوية وانتماء، خلافاً لقول البعض، بالاستراتيجيات الخارجية واهدافها. لن نفعل ذلك بل سنكتفي بالاشارة ربما بشيء من التفصيل أو التوضيح الى اربعة أنواع من المعلومات يحاول كل منها ان يفسر استمرار تعثر تشكيل الحكومة الجديدة وان يحدد الجهة أو الجهات المسؤولة عن ذلك.
النوع الأول، مصدره أوروبي. وهو يحصر المسؤولية عن استمرار الأزمة بـ"الجنرال" ميشال عون زعيم "التيار الوطني الحر". فسوريا بحسب هذه المعلومات بدأت "تنرفز" من تمسك الاخير بتشدده بل بمغالاته في هذا التشدد وهي تعتقد انه حقق الكثير من مطالبه بل معظمها ان لم يكن كلها واثبت انه المسيحي الأول بلا منازع وصار من الضروري ان يساعد في انهاء الازمة لأن أوضاع لبنان لا تحتمل مزيداً من الفراغ الحكومي الذي صار ايضاً فراغاً نيابياً والذي لا بد ان يتحول لاحقاً فراغاً رئاسياً ولا تحتمل شللاً مؤسساتياً وسياسياً لأنه لا بد ان ينعكس سلباً على الوضع الأمني. والعلاقات الخارجية لسوريا التي صارت جيدة لا تسمح لها بالسكوت عن المماطلة العونية لأن هذه الجودة كان مصدرها تسهيل دمشق امور لبنان وان نسبياً ولأن هناك زيارة للرئيس بشار الأسد لفرنسا خلال اسبوعين أو ثلاثة. لهذا السبب "طحش" النائب سليمان فرنجيه لحل العقدة بين عون والرئيس المكلف سعد الحريري. وقدم تنازلاً مهماً. لكن على ما يبدو بقي موقف "الجنرال" مطابقاً للمثل القائل "دق المي مي".
والنوع الثاني من المعلومات مصدره لبناني وهو يحصر مسببات الازمة الحكومية بالصراع المسيحي – المسيحي الدائر في البلاد رغم ان اصحابها يملكون من العلاقات والمعرفة وبُعد النظر ما يمكّنهم من اجراء تحليل سليم للأزمة ودوافعها ومعرفة ان لها خلفيات أعمق بكثير من هذه المسببات السطحية. وتشير هذه المعلومات الى ان الذي "فركش" التأليف الحكومي قبل ايام بعد اتفاق الحريري وعون كان "حكيم" "القوات اللبنانية" وحزب الكتائب اللذان رفضا "الطغيان" التمثيلي الذي يسعى وراءه "الجنرال".
والنوع الثالث من المعلومات مصدره لبناني وخارجي وتحديداً اقليمي. وهو يشير الى ان المحور الاقليمي (السوري – الايراني) المستعيد النفوذ في لبنان والوجود وان غير المباشر لن يسمح بعد المكاسب الكثيرة التي حقق في الداخل ومع الخارج ورغم انتكاسة الانتخابات النيابية الاخيرة بقيام حكومة لا تعكس فعلاً التغيير الحاصل في البلاد والسيطرة المحلية – الاقليمية البارزة بوضوح فيه. وينبع موقفه من اقتناعه بأن المواجهة التي يخوض مع الخارج في لبنان بل في المنطقة لا تزال دائرة رغم اشارات الانفراج الجزئي التي تحتاج الى وقت طويل وحوار أطول كي تتأكد أو كي يَثْبُتَ انها لم تكن إلا سراباً.
أما النوع الرابع والاخير من المعلومات فمصدره أوروبي على الأرجح. وهو يشير الى ان الحكومة لن ترى النور قبل آخر السنة الجارية او حتى قبل اوائل السنة المقبلة. وعندما يُسأل المصدر عن سبب تحديد هذه المهلة ولماذا لا تكون اطول أو اقصر يرفض اعطاء جواب مباشر. لكنه يُلمح الى احتمال قيام اسرائيل باعتداء أو بعدوان على لبنان قبل تأليف الحكومة وسواء تأخر ذلك أسابيع أو أشهراً.
اي معلومات هي الأدق والأكثر انطباقاً على الواقع؟
لا يمكن اعطاء جواب جازم عن هذا السؤال. لكن ما يمكن الاشارة اليه، وهذا ما يقتضيه الانصاف، هو ان الرئيس المكلف بذل الكثير من الجهد ولا يزال وقدم الكثير من التنازلات كي يؤلف حكومة وحدة وطنية، وأظهر في مسعاه هذا بُعد نظر ومرونة لا يمكن تجاهلهما. إلا أن ما يمكن الاشارة اليه ايضاً، وهذا يقتضيه الانصاف، هو ان اطراف 8 آذار بقائدهم المعروف، باستثناء "الجنرال"، لم يبذلوا جهوداً مماثلة. وكل ما فعلوه هو دعم عون بغية الوصول من خلال مواقفه المتشددة الى تشكيل الحكومة التي تكرس واقعهم القوي مع رعاتهم الاقليميين. ويجب على اللبنانيين من كل الاتجاهات على تناقضها ان يعرفوا ذلك.
عن "النهار" اللبنانية
