طبـاعةحفـظارسالBookmark and Shareمشاركة
السبت 19 ذو القعدة 1430هـ - 07 نوفمبر 2009م

عباس المنسجم مع نفسه وهو يقلب الطاولة

 

جميل النمري

ليس على طريقة من يعلنون زهدهم في الحكم لتخرج الجماهير الهادرة تناشدهم العودة، موقف عبّاس موقف سياسي حقيقي موجه اساسا للخارج بعد الخذلان الذي تعرض له من كلينتون ثم من ابو الغيط!!

انه ليس مناورة استعراضية، وحال الرجل يقول بوضوح إنه عمل بقناعة واخلاص من اجل سلام تفاوضي بسقف واقعي يتماشى مع المقبول دوليا استنادا الى قرارات الأمم المتحدة والرباعية وخارطة الطريق وانابوليس وما توصلت له مفاوضات سابقة وتحمل في سبيل ذلك الكثير وخرج من ركام الخراب الذي خلفته الاجتياحات الاسرائيلية والفوضى الداخلية بنجاح كبير رئيسا وقائدا وحيدا بلا منازع على نفس الخط والرؤية ثم يصطدم بالخذلان الراهن وهو بصدد تقديم نفسه لتجديد تفويضه من الناس على هذا الخط.

البعض "يهمس" بأن عباس بالغ في التمترس عند الوقف "المطلق" للبناء الاستيطاني كشرط وتطرف بالرفض العلني لعرض كلينتون! هل اخطأ الرجل؟ كما كان عبّاس صادقا ومنسجما في اعتداله كان كذلك في قناعته بالتصلب عند وقف الاستيطان، فقد تضاعف عدد المستوطنين والمستوطنات منذ اوسلو عدّة مرات، ونقترب من وضع يصبح فيه قيام دولة فلسطينية مستحيلا. وتشكك اوساط نتنياهو بأسباب عبّاس اذ لم يشترط قبل ذلك على أولمرت مثل هذا! والجواب ببساطة أن الفلسطينيين لا يراهنون بجدّ على حكومة يمينية متطرفة تعادي اصلا حلّ الدولتين؛ فهل يذهبون طواعية الى مفاوضات تنفع فقط للتغطية على قضم ما تبقى من بلدهم؟! يمكن الذهاب الى هكذا مفاوضات لو كان مضمونا على الأقل عدم العبث بالوضع القائم في الضفة وخصوصا في القدس، وهذا الموقف لا غبار عليه اطلاقا ويجب حمايته عربيا ودوليا.


العزوف عن الترشح لا يخاطب الداخل الفلسطيني بقدر ما يخاطب العالم الخارجي، فالرجل وهو يمثل ذروة الاعتدال تعرض لهذا الخذلان! فما المطلوب اذن! ليتحمل العالم البدائل. والبدائل هي قفزة حقيقية في الظلام تخيف الجميع. وموقف عبّاس ليس نهائيا طبعا لكنه ليس مناورة، ولعل أغبى ردّ فعل بين كل ردود الفعل التي سارعت لمناشده عباس العودة عن موقفه هو ذاك الذي صدر عن السيدة كلينتون! ماذا يعني القول سنتعامل مع عباس في اي موقع يكون؟ إلا اذا كان المعنى المبطن ( ونشك في هذا الاحتمال) على صلة بالإشارة الغامضة من عباس بأن خطوات أخرى قد يقوم بها في حينه. وهذا يشير الى أن مزيدا من الأوراق يمكن استخدامها مثل التخلي عن مسؤوليات معينة للسلطة (الأمنية مثلا!) ربما وصولا الى التخلي عن السلطة ذاتها والعودة الى م.ت.ف والمقاومة.

اعلان عباس لا ينوي خلق ازمة داخلية حول البديل بل يهدف الى عكس الضغوط عليه وعلى الفلسطينيين وقد وصلوا الى الحافة، عكسها باتجاه اسرائيل في المعركة الحاسمة والمركزية حول الاستيطان.

*نقلا عن "الغد" الأردنية

عودة للأعلى