محمود مراد
أدعو الله سبحانه ألا يتحقق العنوان وأن يخيب كل سعي في هذا الاتجاه, لكني ـ بصراحة ـ أتوجس خيفة, ومن هلعي ـ وليس فقط تخوفي ـ فقد اخترت هذا العنوان الصادم, إذ يبدو أن العيون قد غشاها الوهم فلم تعد تري جيدا.. ومن ثم فإنني أريد صب ماء النار علي الجرح ليرتفع الصراخ وتزعق الآلام لعل الصوت يخترق صمم الآذان التي أصابتها العلة بميكروبات الأنانية والطائفية. أما سبب هذا فهو معروف.. فقد وصلت تطورات المسألة السودانية إلي الحد الذي يمكن القول معه ان وحدة الشمال والجنوب ـ التي ضحت من أجلها الأجيال ـ قد صارت سرابا, وان استقلال الجنوب غدا أمرا واقعا لا ينقصه سوي الإعلان الرسمي. وأن هذا لن يتغير ما لم تحدث معجزة قبل استفتاء تقرير المصير2011.
ولعلني اعترف بأن هذا الذي أذهب إليه قد تشكل عندي بما يشبه القناعة, خلال الأسبوعين الماضيين حيث التقيت خلالهما مع قيادات سودانية مختلفة وعلي مستوي عال زارت القاهرة.. لكني اعترف كذلك بأنه مع معرفتي المسبقة بوجود تيار معاد للوحدة إلا أنني ـ وغيري ـ كنت وكنا نصفق لأي خطوة وحدوية ونهلل لها.. ومن ذلك مثلا أنني كتبت في هذا المكان منذ نحو شهر مقالا أشيد فيه بالاتجاه الوحدوي للفريق سيلفا كير.. النائب الأول لرئيس جمهورية السودان والذي يشغل في الوقت نفسه منصب رئيس حكومة الجنوب, باعتباره رئيس الحركة الشعبيةوقلت في مقالي السابق إنه يجب أن يتكاتف الجميع لإتمام الوحدة.. وأشرت بأصبع الاتهام إلي قيادات حزبية في الشمال تعمل ضد الوحدة!. ولكني اليوم أجد الموقف مختلفا تماما.. وبادئ ذي بدء..
واستطرادا للصراحة فإنني اتهم قيادات شمالية سواء من بعض الأحزاب المشاركة في الحكم أو المتربعة علي أريكة المعارضة, بأنها قد أدلت بتصريحات ومارست سلوكيات من شأنها استفزاز الجنوبيين ودفعهم تجاه الاستقلال! وبالطبع فإنني أقر بوجود تيار في الجنوب لا يريد الوحدة.
وفي محاولة لاستجلاء الحقيقة سألت واستفسرت وسمعت الرد مرتبا واضحا مما يعني أن الأشقاء الجنوبيين علي مستوي القيادة قد وصلوا إلي قرار نهائي, وأن القيادة تتحرك الآن لتمهد الطريق إلي إعلان الدولة الجديدة.. ولقد قيل لي:لقد فاض بنا الكيل.. فلم تحدث ـ كما كان متوقعا ـ تنمية في الجنوب.. بل إنك لا تجد طرقا مرصوفة أو مدارس حديثة أو رعاية صحية سوي المستشفي الذي أنشأته مصر في جوبا ويتردد عليه المرضي من الجنوب بل ومن الدول المجاورة, ونتمني تطويره وبناء غيره.. فإننا ندرك أن المصريين هم الذين وقفوا معنا منذ سنوات ولا يزالون.. وكما تعلم فإن قيادات عديدة في الجنوب من خريجي الجامعات والمدارس المصرية.. وبالمناسبة فإننا سعداء بافتتاح فرع لجامعة الإسكندرية في الجنوب ونعلم أنك ـ كاتب هذه السطور ـ صاحب الفكرة وقد قلتها أولا للراحل جون جارانج قبيل حادث طائرته,
ثم قلتها للدكتور رياك جاي عندما كان رئيسا لمجلس ولايات الجنوب ـ قبل اتفاق السلام ـ وعندما استقبله الرئيس حسني مبارك صباح اليوم التالي عرض عليه الفكرة فوافق الرئيس فورا وأصدر قراره للدكتور مفيد شهاب ـ وكان وزيرا للتعليم العالي ـ ليتخذ الإجراءات ـ ونحن من ناحيتنا ـ يقول القيادي الجنوبي وهو مسئول رفيع ـ سنوفد مائة وخمسين جنوبيا إلي جامعة الإسكندرية للتدريب ونأمل افتتاح الفرع في العام الدراسي المقبل.. وبالمناسبة أيضا فإننا سنعمل علي إحياء مشروع قناة جونجلي مع مراعاة كل تداعياته.. فإننا لن نعادي الشمال بل علي العكس نحن حريصون علي أن تكون علاقتنا مع الحكومة السودانية جيدة جدا علي كل المستويات وفي مختلف المجالات.. وإذا كان يوجد في الشمال الآن نحو مليونين أو ثلاثة ملايين جنوبي فإننا سنترك حرية الاختيار لمن يريد أن يبقي حيث هو. ولمن يريد العودة إلي الجنوب.
وتؤكد القيادة الجنوبية انها ستحترم كل الاتفاقيات والتعاقدات الدولية التي سبق أن وقعتها الحكومات السودانية المتعاقبة, وكذلك المواثيق والقوانين الدولية.
وعندما أقول إن حكومة الجنوب تحصل علي نصيبها من عائد البترول وغيره.. وانكم متهمون بعدم الانفاق علي التنمية وإنما تنفقون علي الجيش الشعبي الذي يتزايد حجمه ـ نحو مائة ألف ـ وعلي تسليحه.. وانكم تجهزونه ليوم موعد
يجيء الرد بأن تعداد الجنوبيين يصل ـ حسب بيانات الحكومة الحالية ـ إلي نحو عشرة ملايين ـ أي خمسة وعشرون في المائة من مجموع الشعب السوداني كله.. فهل نأخذ نفس النسبة من موازنة الدولة أما عن الجيش الشعبي فإنه بالفعل ـ نـظريا ـ لا توجد دولة لها جيشان بقيادتين مختلفتين.. لكن الوضع السوداني له خصوصية طبقا لاتفاق السلام ولتراكم الظروف.. والموروثات ومع هذا فإن الحكومة المركزية فرضت علينا أن نرعي ونضم إلي الجيش الشعبي الميليشيات الجنوبية التي كانت تؤيد الحكومة وتحاربنا.. ويبلغ تعداد أفرادها نحو أربعين في المائة من حجم الجيش الشعبي!.
ويستمر حواري مع القيادات الجنوبية.. وفيما ذكرت فإن قصدي تأكيد ما جاء في بداية هذا المقال.. ثم إنني أريد مضاعفة الهلع والتخوف بالقول إنه رغم كل ما بذلته الحكومة السودانية غرب السودان لتسوية ما هو معروف بمشكلة دارفور.. فإنني أعيد اتهام قيادات حزبية شمالية باتخاذها مواقف مؤيدة لحركة التمرد أو متميعة لا يهمها سوي سقوط النظام السوداني الحالي, فإذا أضفنا إلي ذلك مصلحة خصوم السودان وهم أيضا خصوم التقدم العربي الإفريقي, ونضيف كذلك عدم تغير الاستراتيجية الأمريكية إلا في الأسلوب فقط, بدليل تجديد فرض العقوبات علي السودان وتهديده بما هو أفظع إذا لم يوقف جرائم الحرب.. ولا نعرف أين وما هي ـ فإننا نقول من محصلة هذا وغيره ان غرب السودان في طريقه أيضا وبدعم خارجي إلي الانفصال بما يحقق أهداف الخصوم والأعداء.
ويقول لي قيادي جنوبي انه بهذا ستكون هناك دولة في الجنوب وأخري في الغرب إلي جانب دولة الشمال, أما الشرق فإنه أيضا مرشح لهذا بما يبدو من تحركات حركة البجا التي تقود التمرد.. لكن القيادي الجنوبي يحذر من هذه الحركة علي أساس أنها تحاول الدس والوقيعة بين السودان وبين مصر.. وذلك بإثارة قضية حلايب مع أن الأوضاع كانت مستقرة, ويعطي القيادي الجنوبي مثالا بمنطقة ليمي وهي مثلث من الأراضي داخل الأراضي السودانية علي حدود كينيا.. لكن الاستعمار الانجليزي ـ وكما هي عادته ـ لا يرحل قبل أن يزرع المشاكل, وهكذا أعطي كينيا حق إدارة مثلث ليمي ولم يحدث احتجاج سوداني أو مطالبة حتي الآن, مع أن هذه الأراضي ـ التابعة لكينيا الآن ـ تعد سودانية مائة في المائة.. وهذا عكس حلايب.. فالأوضاع مع مصر مختلفة.. يمضي القيادي الجنوبي في تحليله ـ فقد ينفصل الشرق وقد لا يحدث.. فإن الأمر مرتهن بعوامل عديدة ومتشعبة.
نعم.. الأمر مرتهن بأوضاع وتعاملات عديدة.. لكنا نؤكد انه وبقدر ما في المواطن السوداني ـ في أي منطقة ـ من طيبة وسلاسة وحسن معشر ويسر.. بقدر ما في قضية بلده من تعقيدات يضاعفها ويعرقل حلولها.. ما في نفوس بعض القيادات من هوي وغرض.. وتلك قصة أخري!.
*نقلا عن "الأهرام" المصرية
