طبـاعةحفـظارسالBookmark and Shareمشاركة
السبت 19 ذو القعدة 1430هـ - 07 نوفمبر 2009م

السودان‏:‏ ثلاث‏..‏ أم‏..‏ أربع دول؟

 

محمود مراد

أدعو الله سبحانه ألا يتحقق العنوان وأن يخيب كل سعي في هذا الاتجاه‏,‏ لكني ـ بصراحة ـ أتوجس خيفة‏,‏ ومن هلعي ـ وليس فقط تخوفي ـ فقد اخترت هذا العنوان الصادم‏,‏ إذ يبدو أن العيون قد غشاها الوهم فلم تعد تري جيدا‏..‏ ومن ثم فإنني أريد صب ماء النار علي الجرح ليرتفع الصراخ وتزعق الآلام لعل الصوت يخترق صمم الآذان التي أصابتها العلة بميكروبات الأنانية والطائفية‏.‏ أما سبب هذا فهو معروف‏..‏ فقد وصلت تطورات المسألة السودانية إلي الحد الذي يمكن القول معه ان وحدة الشمال والجنوب ـ التي ضحت من أجلها الأجيال ـ قد صارت سرابا‏,‏ وان استقلال الجنوب غدا أمرا واقعا لا ينقصه سوي الإعلان الرسمي‏.‏ وأن هذا لن يتغير ما لم تحدث معجزة قبل استفتاء تقرير المصير‏2011.‏

ولعلني اعترف بأن هذا الذي أذهب إليه قد تشكل عندي بما يشبه القناعة‏,‏ خلال الأسبوعين الماضيين حيث التقيت خلالهما مع قيادات سودانية مختلفة وعلي مستوي عال زارت القاهرة‏..‏ لكني اعترف كذلك بأنه مع معرفتي المسبقة بوجود تيار معاد للوحدة إلا أنني ـ وغيري ـ كنت وكنا نصفق لأي خطوة وحدوية ونهلل لها‏..‏ ومن ذلك مثلا أنني كتبت في هذا المكان منذ نحو شهر مقالا أشيد فيه بالاتجاه الوحدوي للفريق سيلفا كير‏..‏ النائب الأول لرئيس جمهورية السودان والذي يشغل في الوقت نفسه منصب رئيس حكومة الجنوب‏,‏ باعتباره رئيس الحركة الشعبيةوقلت في مقالي السابق إنه يجب أن يتكاتف الجميع لإتمام الوحدة‏..‏ وأشرت بأصبع الاتهام إلي قيادات حزبية في الشمال تعمل ضد الوحدة‏!.‏ ولكني اليوم أجد الموقف مختلفا تماما‏..‏ وبادئ ذي بدء‏..‏

واستطرادا للصراحة فإنني اتهم قيادات شمالية سواء من بعض الأحزاب المشاركة في الحكم أو المتربعة علي أريكة المعارضة‏,‏ بأنها قد أدلت بتصريحات ومارست سلوكيات من شأنها استفزاز الجنوبيين ودفعهم تجاه الاستقلال‏!‏ وبالطبع فإنني أقر بوجود تيار في الجنوب لا يريد الوحدة‏.‏

وفي محاولة لاستجلاء الحقيقة سألت واستفسرت وسمعت الرد مرتبا واضحا مما يعني أن الأشقاء الجنوبيين علي مستوي القيادة قد وصلوا إلي قرار نهائي‏,‏ وأن القيادة تتحرك الآن لتمهد الطريق إلي إعلان الدولة الجديدة‏..‏ ولقد قيل لي‏:‏لقد فاض بنا الكيل‏..‏ فلم تحدث ـ كما كان متوقعا ـ تنمية في الجنوب‏..‏ بل إنك لا تجد طرقا مرصوفة أو مدارس حديثة أو رعاية صحية سوي المستشفي الذي أنشأته مصر في جوبا ويتردد عليه المرضي من الجنوب بل ومن الدول المجاورة‏,‏ ونتمني تطويره وبناء غيره‏..‏ فإننا ندرك أن المصريين هم الذين وقفوا معنا منذ سنوات ولا يزالون‏..‏ وكما تعلم فإن قيادات عديدة في الجنوب من خريجي الجامعات والمدارس المصرية‏..‏ وبالمناسبة فإننا سعداء بافتتاح فرع لجامعة الإسكندرية في الجنوب ونعلم أنك ـ كاتب هذه السطور ـ صاحب الفكرة وقد قلتها أولا للراحل جون جارانج قبيل حادث طائرته‏,‏

ثم قلتها للدكتور رياك جاي عندما كان رئيسا لمجلس ولايات الجنوب ـ قبل اتفاق السلام ـ وعندما استقبله الرئيس حسني مبارك صباح اليوم التالي عرض عليه الفكرة فوافق الرئيس فورا وأصدر قراره للدكتور مفيد شهاب ـ وكان وزيرا للتعليم العالي ـ ليتخذ الإجراءات ـ ونحن من ناحيتنا ـ يقول القيادي الجنوبي وهو مسئول رفيع ـ سنوفد مائة وخمسين جنوبيا إلي جامعة الإسكندرية للتدريب ونأمل افتتاح الفرع في العام الدراسي المقبل‏..‏ وبالمناسبة أيضا فإننا سنعمل علي إحياء مشروع قناة جونجلي مع مراعاة كل تداعياته‏..‏ فإننا لن نعادي الشمال بل علي العكس نحن حريصون علي أن تكون علاقتنا مع الحكومة السودانية جيدة جدا علي كل المستويات وفي مختلف المجالات‏..‏ وإذا كان يوجد في الشمال الآن نحو مليونين أو ثلاثة ملايين جنوبي فإننا سنترك حرية الاختيار لمن يريد أن يبقي حيث هو‏.‏ ولمن يريد العودة إلي الجنوب‏.‏

وتؤكد القيادة الجنوبية انها ستحترم كل الاتفاقيات والتعاقدات الدولية التي سبق أن وقعتها الحكومات السودانية المتعاقبة‏,‏ وكذلك المواثيق والقوانين الدولية‏.‏

وعندما أقول إن حكومة الجنوب تحصل علي نصيبها من عائد البترول وغيره‏..‏ وانكم متهمون بعدم الانفاق علي التنمية وإنما تنفقون علي الجيش الشعبي الذي يتزايد حجمه ـ نحو مائة ألف ـ وعلي تسليحه‏..‏ وانكم تجهزونه ليوم موعد

يجيء الرد بأن تعداد الجنوبيين يصل ـ حسب بيانات الحكومة الحالية ـ إلي نحو عشرة ملايين ـ أي خمسة وعشرون في المائة من مجموع الشعب السوداني كله‏..‏ فهل نأخذ نفس النسبة من موازنة الدولة أما عن الجيش الشعبي فإنه بالفعل ـ نـظريا ـ لا توجد دولة لها جيشان بقيادتين مختلفتين‏..‏ لكن الوضع السوداني له خصوصية طبقا لاتفاق السلام ولتراكم الظروف‏..‏ والموروثات ومع هذا فإن الحكومة المركزية فرضت علينا أن نرعي ونضم إلي الجيش الشعبي الميليشيات الجنوبية التي كانت تؤيد الحكومة وتحاربنا‏..‏ ويبلغ تعداد أفرادها نحو أربعين في المائة من حجم الجيش الشعبي‏!.‏

ويستمر حواري مع القيادات الجنوبية‏..‏ وفيما ذكرت فإن قصدي تأكيد ما جاء في بداية هذا المقال‏..‏ ثم إنني أريد مضاعفة الهلع والتخوف بالقول إنه رغم كل ما بذلته الحكومة السودانية غرب السودان لتسوية ما هو معروف بمشكلة دارفور‏..‏ فإنني أعيد اتهام قيادات حزبية شمالية باتخاذها مواقف مؤيدة لحركة التمرد أو متميعة لا يهمها سوي سقوط النظام السوداني الحالي‏,‏ فإذا أضفنا إلي ذلك مصلحة خصوم السودان وهم أيضا خصوم التقدم العربي الإفريقي‏,‏ ونضيف كذلك عدم تغير الاستراتيجية الأمريكية إلا في الأسلوب فقط‏,‏ بدليل تجديد فرض العقوبات علي السودان وتهديده بما هو أفظع إذا لم يوقف جرائم الحرب‏..‏ ولا نعرف أين وما هي ـ فإننا نقول من محصلة هذا وغيره ان غرب السودان في طريقه أيضا وبدعم خارجي إلي الانفصال بما يحقق أهداف الخصوم والأعداء‏.‏

ويقول لي قيادي جنوبي انه بهذا ستكون هناك دولة في الجنوب وأخري في الغرب إلي جانب دولة الشمال‏,‏ أما الشرق فإنه أيضا مرشح لهذا بما يبدو من تحركات حركة البجا التي تقود التمرد‏..‏ لكن القيادي الجنوبي يحذر من هذه الحركة علي أساس أنها تحاول الدس والوقيعة بين السودان وبين مصر‏..‏ وذلك بإثارة قضية حلايب مع أن الأوضاع كانت مستقرة‏,‏ ويعطي القيادي الجنوبي مثالا بمنطقة ليمي وهي مثلث من الأراضي داخل الأراضي السودانية علي حدود كينيا‏..‏ لكن الاستعمار الانجليزي ـ وكما هي عادته ـ لا يرحل قبل أن يزرع المشاكل‏,‏ وهكذا أعطي كينيا حق إدارة مثلث ليمي ولم يحدث احتجاج سوداني أو مطالبة حتي الآن‏,‏ مع أن هذه الأراضي ـ التابعة لكينيا الآن ـ تعد سودانية مائة في المائة‏..‏ وهذا عكس حلايب‏..‏ فالأوضاع مع مصر مختلفة‏..‏ يمضي القيادي الجنوبي في تحليله ـ فقد ينفصل الشرق وقد لا يحدث‏.. ‏ فإن الأمر مرتهن بعوامل عديدة ومتشعبة‏.‏

نعم‏..‏ الأمر مرتهن بأوضاع وتعاملات عديدة‏..‏ لكنا نؤكد انه وبقدر ما في المواطن السوداني ـ في أي منطقة ـ من طيبة وسلاسة وحسن معشر ويسر‏..‏ بقدر ما في قضية بلده من تعقيدات يضاعفها ويعرقل حلولها‏..‏ ما في نفوس بعض القيادات من هوي وغرض‏..‏ وتلك قصة أخري‏!.

*نقلا عن "الأهرام" المصرية

عودة للأعلى