طبـاعةحفـظارسالBookmark and Shareمشاركة
الأحد 20 ذو القعدة 1430هـ - 08 نوفمبر 2009م

سقوط جدار وقيام جدران

 

ناصيف حتي

يوم التاسع من نوفمبر ستمر الذكرى العشرون لسقوط جدار برلين، سقوط بشر بحصول انهيارات أخرى متتابعة: سقوط أو انهيار الاتحاد السوفييتي ولاختفائه بعد سنتين، وسقوط «الستار الحديدي» الذي كان يعزل «المنظومة الاشتراكية» سياسياً وثقافيا، وبالطبع استراتيجيا عن العالم، وسقوط نظام الثنائية القطبية أو نظام الحرب الباردة، وسقوط الحواجز الوطنية والاقتصادية أمام مفاهيم اقتصاد السوق، الأمر الذي فتح الباب لتسريع عمليات العولمة، فلم تبق أمام هذه الأخيرة حواجز إلا واجتاحتها أو تسللت عبرها.

سقوط أطلق عملية توحد بعده: وبالفعل فبعد أقل من أسابيع ثلاثة من سقوط الجدار، أطلق المستشار هلموت كول برنامجه لتوحيد ألمانيا، وحاز بذلك على لقب موحد ألمانيا الثاني بعد بسمارك. لكن التوحد أو التوجه نحوه اعادة إحياء مخاوف قادمة من ماضي ما قبل الحرب الباردة.

وقد ظن البعض أن تجربة الحلف الغربي الاستراتيجي والعقائدي طيلة أربعة عقود ونصف، قادرة أن تتغلب عليها، وعادت مخاوف لعبة الأمم أو لعبة ميزان القوى التقليدية في أوروبا: فرنسا ميتران كانت معارضة ومتحفظة ولو دون نتيجة، فجغرافية القوة الألمانية تخيفها. وبريطانيا لم تكن متحمسة أيضا لتلك الوحدة. تاريخ الصراعات الدامية الأوروبية ألقى بثقله على هؤلاء بعد سقوط الجدار.

لكن العشرين سنة الماضية في الرحلة المشتركة الفرنسية الألمانية، خاصة في عملية البناء الأوروبي، أسقطت تلك المخاوف واستكملت عملية التطبيع النفسي بين البلدين. مشاركة الرئيس الفرنسي في احتفالات ألمانيا بسقوط الجدار، ومشاركة المستشارة الألمانية بعد ذلك في احتفالات الهدنة في فرنسا، ستكرسان مطلع الأسبوع القادم نجاح هذا التطبيع.

كثيرون اعتبروا أنه لولا بريسترويكا ميخائيل غورباتشوف لما سقط الجدار، على الأقل في ذلك التاريخ، ودون دماء أو خضات وتوترات في الفضاء السوفييتي. ليخ فاليسا زعيم الحركة العمالية في بولندا ورئيس بولندا لاحقا، اعتبر أن التاريخ الأهم بالنسبة للتغيير كان عام 1980 مع «الانتفاضة العمالية» التي أطلقها.

صحيح أن الحركات الشعبية وتحركات المثقفين وراء الستار الحديدي، ساهمت وعبرت عن الحراك الاحتجاجي الذي بدأ بالتكون، ولكن التغيير التاريخي والاستراتيجي السلمي كانت وراءه أساسا السياسة الغورباتشوفيه. لا يعني ذلك أن التحول كان مستحيلا، ولكنه كان سيكون دون شك صعبا ومكلفا وبطيئا ومفتوحا على احتمالات عديدة حاملة للكثير من المخاطر.

غورباتشوف أراد عبر البريسترويكا إنقاذ الاتحاد السوفييتي من خلال إصلاحه. واعترف لاحقا بقوله: لقد فشلت ونجحت البريسترويكا. ولكن بالطبع أكثر مما كان منتظرا أو مطلوبا، فلم يكن من الممكن إيقاف حركتها أو تداعياتها. وللتذكير فغورباتشوف أبلغ عام 1985 زعماء أوروبا الشرقية موت «مبدأ بريجنيف»، أو حق التدخل في دول المنظومة الاشتراكية لحماية الأخيرة تحت مسمى السيادة المحدودة، وقال لهم: كل يهتم بأموره ويديرها كما يشاء، الأمر الذي أحدث قوة ضغط مضافة في المجتمع ضد السلطة.

التوحد الألماني فتح الباب أيضا أمام الوحدة الأوروبية، إذ بدأت أوروبا السياسية، أو الاتحاد الأوروبي، بالتصالح مع أوروبا الجغرافية، من خلال الانضمام التدرجي للدول التي كانت في «بيت الطاعة» السوفييتي.

وهذه عملية تاريخية استراتيجية أيضا، وأمامها الكثير من التحديات، من أهمها دون شك تحديد حدود البيت الأوروبي. توحد ثالث انطلق بعد سقوط الجدار، عبر تكرس وانتشار أيديولوجية اقتصاد السوق ومنظومة القيم الرأسمالية، في دول «الشرق» السابق وفي دول «الجنوب» الباحثة عن نموذج آخر. أيديولوجية صارت إحدى «مقدسات» عالم ما بعد الحرب الباردة وسقوط الجدار.

لحظة السقوط والتغيير الكبير الذي فتح الباب على مصراعيه أمامه، كانت لحظة التفاؤل المطلق عند «الغرب» المنتصر. خرجت نظرية «نهاية التاريخ» لفرنسيس فوكوياما، لتعلن وتبشر بانتصار وانتشار منظومة القيم الغربية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، باعتبارها صارت المنظومة العالمية للقيم.

وصدرت الدعوة لنظام عالمي جديد أطلقها الرئيس بوش الأب، أو بشكل أكثر دقة لقيام نظام عالمي أميركي جديد. وخرج تشارلز كروثمر، أحد منظري المحافظين الجدد، بنظرية «اللحظة الأحادية»، للتنظير للهيمنة الأميركية على العالم. ولكن بعد عشرين عاما بدا أن ما حصل هو نصف انتصار تمثل في سقوط الخصم الاستراتيجي والعقائدي، ولكن لم يتحول العالم إلى معسكر غربي قيما وسياسة واقتصادا، بل قام خصوم آخرون بأشكال مختلفة وعناوين متعددة، وصار العالم الجديد أكثر تعقيدا من عالم الحرب الباردة.

العولمة أو الاندماج الاقتصادي المتسارع الوتيرة وشبه القسري أحيانا، وتراجع وإضعاف دور الدولة الحامي والضامن والموازن، أدى إلى ردود فعل قوية، منها إحياء الهويات الأصلية بقوة وانتشار هذا الإحياء: هويات خائفة على ذاتها أمام اللون الواحد الذي تفرضه العولمة، ومقاومات من قطاعات واسعة تريد حماية مكاسب وتبحث عن أمنها الاقتصادي والاجتماعي مطالبة «بعودة الدولة». زاد في حدة هذه المقاومات، الأزمة الاقتصادية العالمية وتحديدا اهتزاز صورة الاقتصاد الرأسمالي المالي المتوحش، وعاد الحديث حول «نهاية التاريخ».

فالصراع مستمر ومتأجج، ولكن مع أطراف مختلفة وحول قضايا مختلفة أو متجددة، وبقيت قضايا الهوية أكثر قدرة على التأثير في السياسات الدولية في العالم النامي وعالم الأزمات، أكثر من استراتيجيات القوى الغربية المرسومة عن بعد. جدران جديدة أقيمت ونزاعات ولدت من جديد وأخرى جديدة انتشرت.

وعاد الحديث عن ضرورة قيام «حكم عالمي رشيد»، عبر منظومات رقابة دولية قطاعية وعبر دور متجدد ومختلف للدولة. وقد أصاب غورباتشوف في قوله إن الأزمة الاقتصادية العالمية أظهرت أنه كما كانت حال الاشتراكية البيروقراطية، فإن الليبرالية الاقتصادية المتوحشة هي أيضا بحاجة لبريسترويكا.

بعد عشرين عاما من سقوط جدران وقيام جدران أخرى، حان الوقت للابتعاد عن التفكير الأحادي الحامل للحلول الجاهزة، ولاعتماد مقاربة «ديمقراطية» تعكس التعددية العالمية وتنوع المصالح والأولويات، وذلك للتعامل بنجاح مع تحديات عالمية تزداد ثقلا وخطورة، ولا يستطيع أن يفلت أحد من تداعياتها في العالم.

* نقلا عن "البيان" الإماراتية

عودة للأعلى