الرئيس أوباما يبدو هذه الأيام كتمثال جميل تتساقط أجزاؤه قطعة قطعة، مرة بفعل ضربات خارجية ومرة بسبب تآكل داخلي.
التساقط الأول (الكبير) كانت مع تهاوي مبادرته الكبيرة حول فلسطين والعالم الإسلامي لدى أول مجابهة بينه وبين اللوبي اليهودي و”الإسرائيلي”. وهذا حدث أذهل الكثيرين، لأن الرئيس الأسمر أمضى أول سنة له في البيت الأبيض السلطة وهو يعطي الأولوية لإصلاح ذات البين بين أمريكا وبين خُمس البشرية (العالم الإسلامي)، فإذا به “يستسلم” سريعاً أمام ضغط 1،000 في المائة منها (اليهود).
الآن أوباما يقف عارياً في البلاط الدولي، ولا تجد وزيرة خارجيته بديلاً سوى دعم المستوطنات والاحتلال اليهودي للضفة الغربية والقدس، مع وضع غلالة توت رقيقة تتمثل في مواصلة الحديث اللغوي عن حقوق الفلسطينيين.
بيد أن هذه السقطة في الشرق العربي، على كبرها، تهون أمام شقيقتها في الشرق الإسلامي: أفغانستان. إذ هناك، سفح الرئيس أوباما علناً كل الادعاءات الأخلاقية والمبدئية والديمقراطية التي استخدم رياحينها لتسلّق السلم المؤدي إلى السلطة، وانحاز علناً إلى الاستبداد والظلم والفساد، لا بل هو فعل ذلك بطريقة مُقززة.
ففي الرسالة التي بعث بها إلى حامد قرضاي ل”تهنئته” بالفوز في انتخابات أكدت كل هيئات الأمم المتحدة أنها مزوّرة من ألفها إلى الياء، طلب رئيس أكبر ديمقراطية في العالم من رئيس أكبر دولة فاسدة في العالم “أن يتحرّك بسرعة وشجاعة لمكافحة الفساد”.
كيف يمكن أن يحدث هذا: أن نطلب من طرف مُتهم بالفساد أن يكافح الفساد، وبسرعة وشجاعة أيضاً؟ ألا يُشبه هذا الطلب من غانية أن تحاضر بالعفّة؟ أو أن نتوسّل أقطاب التطرف الديني واليميني “الإسرائيلي” أن يُبشِّروا بالحب والمحبة بين البشر؟
الرئيس أوباما بفعلته هذه، نسف بشطحة قلم كل خطبه الرنانة عن الحق والعدالة وحقوق الإنسان والديمقراطية الحقّة، وعاد بشطحة قلم أخرى إلى المنطق الأمريكي القديم القائم على توظيف الاستبدايين والفاسدين والمرتشين في العالم الإسلامي لخدمة المصالح الأمريكية.
وهذا أمر ليس مُقزّزاً وحسب، بل هو غريب أيضاً، لأن قائد القوات الأمريكية في أفغانستان الجنرال ماكريستال كان قد بنى استراتيجيته الجديدة على مبدأين متوازيين: زيادة عديد القوات الأمريكية بنحو 40 ألف جندي إضافي، وإيجاد “شريك” أفغاني يُعتد به في كابول يحظى بالشرعية الديمقراطية وبدعم الشعب الأفغاني.
القوات الجديدة آتية لاريب فيها، وإن لم يكن بالعدد نفسه الذي يطلبه الجنرال. لكن، ماذا عن “الشريك الذي يُعتد به”؟
لقد كان من المشكوك به كثيراً أن تربح أمريكا معركة القلوب والجيوب في أفغانستان، حتى ولو تربّع على عرش كابول المصنوع من قوائم أطلسية عبدالله عبدالله منافس قرضاي الذي يحظى بالفعل بشعبية واضحة، فماذا الآن وقرضاي اللادستوري باق في السلطة من دون شرعية ولا شعبية؟
إنها حقاً بدايات تعيسة لرئيس بنى عليه الكثيرون داخل أمريكا وخارجها كبير الآمال لتغيير صورة أمريكا في العالم، فإذا به يعيد إنتاج صورة العالم القديمة عن أمريكا، وحتى بشكل أسوأ.
وغداً حين يبدأ المؤرخون بكتابة تاريخ عهد أوباما، سيقولون على الأرجح إنه أكثر رئيس أمريكي بنى عليه الناس توقعات كبيرة، فإذا بهم يصابون بخيبات أمل أكبر.
نقلا عن "الخليج" الإماراتية