إيمان القويفلي
س: من بين مجموعة أجهزة؛ كيف تتعرّف على الكمبيوتر المحمول الذي يخص امرأة سعودية؟
في صفّ دراسي يستلزم الحضور بصحبة الكمبيوتر المحمول، عندما فتحنا أجهزتنا، كانت جميعها دون استثناء، على اختلاف مراحلنا العمرية وخلفياتنا الاجتماعية والثقافية، تحمل لاصقاً صغيراً أعلى الشاشة، هذا اللاصق يمثل علامة اجتماعيّة مميزة، خصوصية ما. يمكنك أن تميّز جهاز المرأة السعودية بواسطة الحرص الغالب على تعطيل الكاميرا التي أصبحت الآن تأتي مستدمجة ضمن الجهاز ولا يمكن التخلص من (خطرها) إلا بإغلاق العدسة، لأنهم (يقولون) إن الكاميرا يمكن تشغيلها رغما عنكِ عند اختراق الجهاز وعندئذ ستقعين في مصيبة سوداء وتتعرّض حياتكِ لكارثة ويُدمّر مستقبلكِ وتنهار سمعة عائلتك (وللعلم هذا سيحدث حتى لو كانت صورتك المختلسة وأنت بشعر منكوش تتثاءبين أمام الجهاز!). لم نتأكد إن كان هذا ممكنا تقنياً ولا كيف... لكن، الصورة والتصوير هو التهديد الذي لا ترغب امرأة سعودية في العبث معه.
وهو ليس رعباً ذاتياً عند المرأة بل رعبٌ مُمأسس ومُنظم. تشترك فيه الأسرة والمؤسسات التي تدخلها المرأة لتتعلم أو تعمل. أي امرأة في موقع إداري في منشأة نسائية تختبر بصفة دورية اتصالات الأمهات والآباء التي تحثها على "صيانة شرف بناتنا"، وصيانة الشرف هنا تعني منع دخول جوال الكاميرا إلى المنشأة. أقترحُ على كليات الإدارة أن تستحدث منهجاً يُعلم طالبة الإدارة كيف تسيطر على وجود الصورة والكاميرا في المنشأة، سيكون هذا منطقياً جداً ومتجاوباً مع احتياجات الواقع، يسمونها مثلاً 201 دار: إدارة الصورة في المنشآت النسائية، وتُدرّس في السعودية حصرياً. من الأشياء اللافتة أن خوف المرأة من الصورة خوف مجرّد ومطلق، لا ينطلق من سبب منطقي ولا يتّصف بمواصفات شَرطيّة معقولة تبرر خطورته. يمكن للشابة السعودية أن تندفع إلى إدارة المكان لتشتكي من حادثة تصوير (استهدفتها)، وبعد الحصول على تفاصيل الحادثة يتّضح أنها (سمعت) صوت Click الكاميرا من مكان ما خلف ظهرها، ويمكنك أن تبقى بعد هذه الحادثة مذهولاً تحاول لأعوام أن تفهم لماذا تعتقد امرأة أن أحداً يرغب في التقاط صورة لـ(ظهرها)؟! وفي مرّة كنتُ ألتقط صورة في مكان عامٍ استحثّت امرأة بحدّة ابنتها الشابة على الخروج بسرعة من كادر التصوير (الذي كانتا خارجه أصلاً)، ولم أفهم لماذا تخاف الأم من ظهور ابنتها التي تلبس العباءة والقفازات في الصورة رغم أنهما كانتا تسيران في الشارع بهذا الزي؟! الصورة التي انتشرت أخيراً لبرنامج يبث من الرياض تقدّمه ثلاث نساء مغطيات بالكامل يخلق وضعاً غريباً أمام كاميرا التلفزيون التي تتعامل مع الوجه الإنساني وتعابيره ورسائله بشكل أساسي، فإذا كانت المذيعات لا يرغبن في استقبال الكاميرا بوجوههن فلماذا لم يقدّمن البرنامج صوتياً فقط أو على الراديو؟ أعتقد أن ظهورهن بهذه الصفة على التلفزيون ليس مجرّد موقف رفض سلبي لطبيعة البث التلفزيوني بل يحمل رسالة مقصودة حول علاقة المرأة بالكاميرا تنسجم مع كل ذلك الرعب الممأسس اجتماعياً وإدارياً. والرسالة تكتسب أهميتها ومعناها إذا لاحظنا نمو استخدام الصورة كلغة عالمية وميزة تقنية. الصورة من كونها رسماً شخصياً مكلفاً لا يحصل عليه إلا الأثرياء، والبث المباشر من كونه تقنية عالية تستخدم حصرياً في دوائر ضيقة، حتى وصلنا إلى وجود الكاميرا عالية الدقة في كل جهاز تلفون وخاصية البث المباشر عبر أي جهاز كمبيوتر، والآتي أكثر. هذه هي الحركة التاريخية للتقنية التي جعلت الصورة والكاميرا في كل مكان وتفاديها مسألة صعبة وعثرة يوميّة مملة، لهذا لابُدّ من رسائل تذكّر بأهمية الحفاظ على الذعر الجماعي من الصورة.
لكن لماذا تستسلم المرأة – بصفتها هدفاً أساسياً – لكل هذا الرعب في علاقتها مع الصورة؟ لماذا تتعطل حاسّتها الناقدة أمام التهديد بمخاطر غير منطقية أو غير واردة؟ أعتقد أولاً أن رعب الصورة يداعب تصوّر المرأة النمطي – الذي نمّطه المجتمع – عن ذاتها بما هي "الجوهرة المصونة والدرة المكنونة" التي يتلهف الآخرون لخطف نظرة إليها بأيّ طريقة، وفي هذا إطراء للذات التي لا تحصل على كفايتها من الإطراء، رعب الصورة يحاكي في وظيفته النفسية أوهام الحسد والعين والسحر وكيد النسوان ضد من ترى في نفسها (فتاة الغلاف) دون أن يشاركها أحد الرأي للأسف. الأمر الآخر هو انسجام رعب الصورة مع حالة الاستعداد لتقبّل العقاب دون ذنب التي تُنشّأ عليها المرأة لتتقبّل الرضوخ لعدد كبير من الممنوعات والعقوبات التي تقع عليها لأنها امرأة وليس لأنها امرأة ارتكبت ذنباً محدداً. كيف يمكن أن تكون المرأة مذنبة لو التُقطت صورتها وهي غافلة في مكان نسائي أو وهي تعمل على جهازها؟ ما الذنب الذي يقع على عاتقها؟ الحقيقة أنه لا ذنب لها إلا كونها تحمل جسداً مادّياً قابلا للتصوير، لكنها ستُعاقب اجتماعياً لو التقطت صورتها رغما عنها وفي ظروف عادية.
تتحمّل بعض الجهات الرسمية جزءاً من المسؤولية عن تكريس علاقة الرعب بين المرأة والصورة في المجتمع. بإمكان هذه الجهات أن تمشي وراء المجتمع أو أن تمشي أمامه. عندما تبدأ الكليّة أو المعهد في تضييع وقتٍ كبير عند البوّابات في تفتيش الداخلات ومصادرة أجهزة الجوال، فإنها تمشي وراء المجتمع الذي لا يخجل من دعوة الضيوف إلى حفل زفاف ثم تعيين مفتشة تصادر أجهزة المدعوات من حقائبهنّ قبل الدخول إلى القاعة وهو ما يعني ضمنياً "أنكم ضيوفنا لكننا لا نثق بكم". أحيانا تمشي الجهة الرسمية أمام المجتمع لكنها تتكتّم على ذلك ليصبح هذا الممشى ممكناً. لا أدري كيف ستشعر الأم الخائفة على "شرف بناتنا" لو رأت كيف تخلو بيئة جامعة الملك سعود من رُعب التصوير والتفتيش والأجهزة المصادرة، أظنها ستصاب بجلطة، قبل أن تعرف أنه رغم كل هذا (التسيّب)، فإن الطالبات لم ينشغلنَ بالتقاط الصور القاتلة... للشرف.
نقلا عن "الوطن" السعودية
