خلال الفترة الماضية, لم ينافس شيء مباراة مصر والجزائر قدر الحديث بين الناس وفي الإعلام عن التغيير الوزاري, فترشيح الدكتور محمد البرادعي لنفسه علي شبكة الـCNN لرئاسة الجمهورية قد خطف الأنظار قليلا, إلا أن عدم وجود مشتر حتي الآن بين الأحزاب المختلفة جعل المسألة كلها افتراضية. والحقيقة أنه لا توجد مشكلة في كثرة الحديث عن التغيير الوزاري, خاصة بعد استقالة الوزير محمد منصور من وزارة النقل, وقد أصبحت الدولة من التعقيد والتركيب والحجم الاقتصادي بحيث لم يعد هناك تخوف من تأثير مثل هذا الحديث علي الاقتصاد, أو من أن يؤدي إلي بلبلة سياسية.
لكن المشكلة هي أننا نركز دائما علي السياسةPolitics وليس السياساتPolicies, ونتحدث عن نيات وشخصيات وأخبار تتعلق بتغيير الوزارة, ووصل الموضوع كله إلي حالة من البورصة اليومية التي ترتفع فيها أسهم وتنخفض أخري بلا سبب اقتصادي أو سياسي معروف يزيد علي تسجيل نقاط إعلامية, وكل ذلك دون أن نتطرق إلي الهدف المفترض من التغيير, أو السبب الذي يجب تغيير الوزارة من أجله, أو بما سنفعله بالوزارة الجديدة عندما تأتي, وهي عادة قديمة تحدثنا من خلالها كثيرا عن الديمقراطية, دون أن نفكر كثيرا فيما سنفعله بها, وتكون النتيجة أحيانا هي البحث عن أعراض كويتية تكون فيها الحكومة متأرجحة في وجودها, أو حتي أعراض لبنانية تستعصي فيها الحكومة علي التكوين, وينسي كثيرون أننا في مصر, حيث الدولة راسية وراسخة.
إن التغيير الحكومي شيء طبيعي, ويمكن أن يحدث حال توافر ظروف وشروط ومنطق, لكن عادة ما لا تكون المسألة سهلة, كما يتصورها الإعلام, لأن الإدارة السياسية ليست مجموعة من المانشتات الصحفية التي تتساءل يوما: لماذا لا يحدث التغيير الوزاري؟, ثم تتساءل في اليوم التالي مباشرة: لماذا حدث؟, وفي مثل تلك الأوقات تظهر توجهات تتفاعل طوال الوقت داخل الإدارة, منها مايلي:
1 ـ توجه يتعامل بواقعية مع واقعة من نوعية استقالة وزير النقل مثلا, علي أنها حالة اضطرارية, لا تتطلب إعادة النظر في أي شيء أوسع, فالحكومة مستقرة, وذات سجل جيد في الأداء الاقتصادي, ومواجهة الأزمة الاقتصادية, ولديها تصورات للتعامل مع الفترة المقبلة طرحت بعضا منها في مؤتمر الحزب الوطني الديمقراطي الأخير ولايزال البعض الآخر رهن الدراسة, وسوف يكون هناك دائما من ينصح بأنه لا يمكن تغيير الحصان بينما يجري السباق.
2 ـ توجه عملي يركز علي استمرار المسيرة بشكل معدل, وهو استمرار للأول, مع اختلاف واحد يري أن حركة وزير النقل يمكن أن تترافق ـ ولو كفرصة ـ مع تغيير أربعة أو سبعة وزراء, بما يؤدي إلي قوة دفع جديدة للوزارة الحالية, وإعطائها درجة أعلي من الانسجام, مع الحفاظ علي التوجه العام للمسيرة, فالمسألة تشبه ذلك التغيير الذي يجري في الشوط الثاني من مباريات كرة القدم لدفع مزيد من الحيوية في الفريق, أو لإصلاح خلل في واحد من القطاعات التي لم تسر بالسرعة المطلوبة في اتجاه تحقيق الهدف.
3 ـ اتجاه ثالث مستقبلي النزعة قد يري أن هناك حاجة لقوة دفع كبيرة واسعة النطاق, أو مرحلة جديدة في الحقيقة, فهناك وزارة قامت بمهمتها علي أحسن وجه, وحققت إنجازات كبيرة, ولكن هناك مرحلة مختلفة تتطلب تغييرا, فنهاية الأزمة الاقتصادية قد تركت الحكومة مرهقة, والدولة مقبلة علي عام انتخابات يتطلب أداء أسرع, ونجاحا إضافيا, وسقفا أعلي للإصلاح, وتحضيرا واسعا لما هو أبعد من الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقبلة سياسيا واقتصاديا.
المدخل الذي أتصوره في التعامل مع كل ذلك هو السياسات, فمن الطبيعي أن توجد مثل تلك التوجهات الثلاثة في الوقت نفسه, ولو كان ثمة نقاش واجب حول التغيير الوزاري, فإنه يجب أن يتركز علي السياسات المراد تطويرها أو تحقيقها, ولدينا قضايا محددة يمكن أن تمثل جدول أعمال لنقاش حقيقي, بعيدا عن السياسة الخاصة برغبات في إجراء تعديل أو تغيير لمجرد التغيير وشغل مساحات إعلامية, وهي طريقة لم يثبت أبدا أن قيادة الدولة تفكر وفقا لها.
وهنا فإن السؤال سيكون: ما الذي نريده بالضبط لتحديد حجم التعديل أو التغيير, وماذا سنفعل بالحكومة الجديدة عندما توجد, وهل يكون التغيير الشامل الآن أم ننتظر حتي بعد الانتخابات النيابية, حيث يكون الأمر مطلوبا دستوريا؟.. وحول ذلك ينبغي أن يدور الحوار والنقاش والاجتهاد أيضا!
* نقلا عن "الأهرام" المصرية