المسألة في النهاية, وفي الأول والآخر, هي منهج التفكير في قضايا الوطن, وفي الحقيقة كل أوطان الدنيا حيث يكون التقدم ناجما عن البحث عن الأمن وليس الخوف, والغني وليس الفقر, والثروة وليس الإملاق, والرفعة وليس التخلف, والنصر وليس الهزيمة, والقوة وليس الضعف, وهكذا حال.
ولم يحدث في تاريخ البلدان أن تقدمت دولة أو أمة لأن لديها قدرة فائقة علي اجترار الألم, والاحتفاء بالضعف, والبكاء علي الأطلال الذي جعلته موضوعا للشعر والمعلقات, والنظر باحتقار بالغ لكل من يبحث بين ثنايا الفقر عن عناصر الغني, وما بين مواطن الضعف عن عوامل القوة, وما بين ركام الإحباط عن إمكانيات الأمل. فما يحدث في الواقع أن هناك علاقة جدلية ـ أو ديالكتيكية لمن لا يزال يعشق الفكر الماركسي ـ بين كل المتغيرات الإيجابية والسلبية الجارية في مصر, وفي علم التغيير بورك دائما من نقب عن توجهات التقدم التاريخي وعمل علي دعمها وتصحيحها ودفعها إلي الأمام حتي يكون لها الغلبة والنصر, وفي النهاية تحقيق ذلك التحول النوعي الذي ينقل بلدا من صفوف الدول النامية إلي جماعة الدول المتقدمة.
أقول كل ذلك تعليقا علي ما جاء في تنويهات عدد من الأصدقاء القوميين والليبراليين والناصريين الذين استل كل منهم مثلا علي تدهور الأحوال وجاء به من حالة التعليم أو العشوائيات أو إحصائيات الفقر, أو ذلك الواقع المزري الذي دفع شابا إلي الغرق مقابل مائة جنيه دفعها له جماعة من السفهاء العرب, وكل ذلك للتدليل علي سوء الأحوال. ولكن كل ذلك علي صحته لا يحل مسألة أو يغير بلدا ما لم نبحث في عناصر القوة الجارية, لأنه في العادة ينتهي مثل هذا الحديـــث إلي مزيــد من الدعم الذي يستنزف الموازنة العامة ـ166 مليار جنيه من الإنفاق الاجتماعي ـ ثم ينتهي الأمر بان تبقي الأمور علي حالها أو تتحسن قليلا بقدر لا يغني ولا يغير من الأمر شيئا. والأخطر, أن نتيجة هذا المنهج يكون في معظم الأحوال سبيلا إلي الوقوف في وجه التميز, والقوة, والغني, والفوز, واعتبار ذلك كله فسادا, وخللا رهيبا في الموازين, لأن العدالة لا تعني أكثر من المساواة في الفقر والضعف.
هل لكل ذلك علاقة بمباراة مصر والجزائر, والإجابة بالتأكيد هي نعم, ليس لأننا سوف نشارك النجوم اللامعة من المحللين للمباراة في التحليل الرياضي, ومن سيفوز, ومن سيصل إلي جنوب إفريقيا لكي يحصل علي أمجاد كأس العالم, ولكن لأن المباراة علي بساطتها ووضوحها تحمل نفس ملامح التحول التاريخي الذي تحدثنا عنه من قبل في مقال سابق وأقلق جمعا من أصحابنا. وبينما لم ير أحد منهم الآلام المتصورة في هذه الحالة, فإنهم وجدوا فيها وصفا لأحوالنا تجعلها ميت فل وعشرة, أو صورة وردية لعالم افتراضي. والمسألة ببساطة ليست أيا من ذلك, ولكن إذا كانت مصر دولة تحسب باعتبارها سوقا بازغة أو ناشئة فمعني ذلك أنك في أول درجات السلم الزاخرة بكثير من لحظات الاختيار المرهقة: إما المضي الصعب في طريق الصعود إلي القمة التي لا يوجد فيها إلا الأقوياء والمتميزون والمبدعون والأغنياء, أو التراجع إلي الساحة الفسيحة الممتلئة حتي آخرها بالفقراء والضعفاء والخائفين.
منهجنا ينظر إلي مباراة اليوم ليس من خلال منظور الساحات الشعبية الفقيرة, أو الملاعب الترابية المنتشرة في طول وعرض البلاد, أو اللاعبين في الحواري الضيقة والذين يشكون من ضعف الصحة وسوء التغذية, ولكن من خلال جيل جديد من اللاعبين يحققون ما لم تحققه أجيال سابقة, ومن خلال بنية أساسية رياضية هي البوابة للتحول والتغيير في قطاع مهم, وفي مشهد من جمهور لم يكن هو الجمهور الذي نعرفه عن مصر وأهلها. والمسألة برمتها لا تحتاج إلا مراجعة للمشهد عبر عقود مختلفة, ولحسن الحظ أن التلفزيون المصري ولد عام1960, حيث يمكن تسجيل الفترة الناصرية المجيدة وحالة أهل مصر يومها, وعلي مدي قرابة خمسة عقود يمكننا أن نري التطور والتحول المصري في أجلي معانيه ومن خلال ملاعب كرة القدم.
وتعالوا نأخذ الموضوع كله خطوة بعد خطوة لكي نري الصورة المصرية ليس للبحث عما إذا كانت سوداء أو وردية اللون, وليس للتنقيب عن نصف الكوب الفارغ أو الممتلئ, وإنما لكي نراها علي حقيقتها كما هي دون تهويل أو تهوين لأن هاهنا سوف توجد أول بدايات الحساب والتقدير الصحيح; فكما قال تشرشل منذ وقت طويل دعونا نضع الحقائق أولا ثم نشوهها بعد ذلك, أي يضع كل واحد منا تفسيره لهذه المعلومات.
والحقيقة الأولي هي أنه حدث بالفعل أن مصر أصبحت تمتلك بنية تحتية رياضية متميزة في مجال كرة القدم, من صرف صحي وكهرباء ومياه وشبكات للنقل وإعادة زرع' نجيلة' الملاعب وساحات التدريب وإعادة تطوير المقصورات الرئيسية ومدرجات الجماهير وزيادة غرف خلع الملابس وتطوير أجهزة الإضاءة وكاميرات المراقبة الثابتة والمتحركة وتغيير أنظمة الصوت والإذاعة الداخلية وتركيب شاشة عرض إلكترونية كبيرة ومتطورة تنقل المباريات للجمهور وتزويد المراكز الصحفية بسبل الاتصالات الحديثة, بما يؤهلها لاستضافة الأحداث الرياضية العالمية حسب المواصفات التي يطلبها الاتحاد الدولي لكرة القدم( الفيفا).
وقد ضخت الدولة الأموال اللازمة لدعم هذا القطاع, حيث بلغت تكلفة تطوير الملاعب في مصر170 مليون جنيه قبل استضافة مصر لمونديال العالم للشباب الأخيرة, بحيث تغيرت ملامح استاد القاهرة والإسكندرية والإسماعيلية وبورسعيد وتكفلت القوات المسلحة بتطوير استاد مبارك في السويس واستاد الإنتاج الحربي بمدينة السلام والجيش ببرج العرب, والذي يعد من أكبر المنشآت الرياضية العملاقة ليس في مصر وإنما في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا, بحيث يسع80 ألف متفرج.
والحقيقة الثانية هي أن لاعبي الجيل الحالي يعدون من أبرز الأجيال سواء التي تمتعت بمواهب أو حققت إنجازات علي مدار تاريخ الساحرة المستديرة المصرية, تتجاوز بكثير ما قدمته أجيال سابقة, سواء جيل صالح سليم ورفعت الفناجيلي وعبده نصحي وحسن الشاذلي في الخمسينات والستينات, وجيل محمود الخطيب ومصطفي عبده وحسن شحاته وفاروق جعفر, خلال عقدي السبعينات والثمانينات, وهو الجيل الذي لم يحقق كأس الأمم الأفريقية إلا مرة واحدة( بطولة عام1986) بعد أن فقد واحدة منها في القاهرة نفسها عام1974, ويتجاوز أيضا ما حققه جيل التسعينات الذي وصل لنهائيات كأس العالم, بقيادة حسام حسن وجمال عبد الحميد وأحمد شوبير.
أما الجيل الحالي من اللاعبين في صفوف الفريق الوطني فقد نجح في إحراز البطولة ثلاث مرات خلال عقد واحد من السنوات في بوركينا فاسو في1998 وفي القاهرة2006 وفي أكرا في2008, وهو الأمر الذي لا يعبر عن حدوث صدفة بحتة, وإنما يعبر عن تطور رياضي بنوع أو بآخر لا يمكن حجبه عن التطور الاقتصادي والاجتماعي السائد في البلاد. وفي جانب آخر, نشأ أبناء هذا الجيل في ظل تفاعلات العولمة المتسارعة, حيث لم تعد مباريات كرة القدم مجرد مجموعة أنشطة بدنية تبدأ وتنتهي في أرض الملعب في وقت زمني معين, بل ترتبط بمجموعة من الأنشطة الأخري كالتدريب الرياضي والتنظيم الإداري والاستعداد النفسي والتركيز العقلي والاحتراف الخارجي والاحتكاك الدولي.
وربما لا توجد هناك صدفة أن واحدا من أدوات تأهيل مع اللاعبين هو إتاحةPlayStations لكي تكون وسيلة من وسائل التدريب واليقظة المستمرة والتركيز علي التفاصيل. وعلي العكس يكون واحدا من وسائل التهدئة سحب التليفونات المحمولة, وأجهزة الكمبيوتر, من اللاعبين بعد أن قامت بدورها في إنضاج اللاعبين وتفاعلهم مع العصر بما فيه من أندية ولاعبين بطول العالم وعرضه.
ففي بطولات الأمم الإفريقية الماضية, استطاع الفريق القومي أن يلحق هزائم متتالية بفرق إفريقية ذات سمعة دولية في عالم كرة القدم, حيث تضم لاعبين محترفين في أشهر الأندية الأوروبية, مثل تشيلسي وتوتنهام وليفربول, بما يجعل المنافسة مع الآخر الأجنبي تصب في مصلحة المصري, في حال توافر الرغبة والقدرة, وهي المعضلة التي تواجه المصري في المنافسات العالمية في مختلف المجالات وليس في ساحة الرياضة فقط.
ويعد هذا الوضع نتاجا طبيعيا للجمع بين الصناعة المحلية والصناعة العالمية في ميدان الاحتراف الكروي, فهو ـ أي الفريق القومي ـ يضم عناصر محلية واضحة ولكنها في نفس الوقت مدعمة بمجموعة من اللاعبين المحترفين في الخارج مثل محمد زيدان مهاجم بروسيا دور تموند الألماني ومحمد شوقي لاعب وسط ميدلسبره الإنجليزي وحسني عبد ربه لاعب وسط أهلي دبي الإماراتي وعبد الظاهر السقا مدافع أسكيشهير التركي,
وهو ما يشير إلي حجم يتزايد يوما بعد أخر من الاستثمارات الأجنبية في العلم والتدريب, ودخول كرة القدم المصرية لسوق الاحتراف. وازداد الوجود المصري في هذا السوق عبر زيادة مشاركة لاعبي هذه الجيل في ساحات دولية كروية مثل نهائيات كأس العالم للأندية في اليابان, وكأس العالم للقارات في جنوب إفريقيا.
الحقيقة الثالثة أن إحدي الظواهر اللافتة للنظر علي الساحة المصرية هي تزايد الالتفاف الجماهيري حول المنتخب الوطني لكرة القدم, في الوقت الذي تنسحب قطاعات مجتمعية مختلفة في مصر من المشاركة في تفاعلات المجال العامpublicsphere, سواء علي الصعيد السياسي أو الثقافي أو الاجتماعي أو الاقتصادي. فاللحظات التي تصهر مشاعر المصريين في بوتقة واحدة بمثل الكثافة التي تبرز في مشاركات الفريق الوطني لم تتكرر كثيرا, حتي بين غير المهتمين بالرياضة عموما وكرة القدم خصوصا. وفي كثير من الأحيان لا توجد علاقة قوية بين المشاهد وكرة القدم, لكن ثمة تحمسا من جانب المشاهد للمباريات التي يشارك فيها المنتخب الوطني,
لأنها تعد من طقوس الوطنية أو قوي العصبية للوطن أو ما يسميه د. يحيي الرخاوي الجوع إلي وطن. ولا يعتبر ذلك بمثابة حالة مصرية استثنائية خاصة, وإنما يعد حالة مجتمعية عامة, تحدث في غالبية البلاد التي تدرك معني ومغزي ما يسمي بالوطــن. والثابت, ومرة أخري علينا مراجعة شرائط المباريات منـــذ عام1960 حتي الآن, أن ظاهرة الالتفاف الجماهيري حول المنتخب الوطني أصبحت أقوي من أي وقت مضي. ولم تكن بطولة الأمم الأفريقية التي أقيمت بمصر عام2006 هي اللحظة الأولي في التشجيع والالتفاف الجماهيري الحاد حول المنتخب المصري, بل أن شيئا من هذا قد حدث عندما تأهلت مصر لكأس العالم في إيطاليا عام1990,
وعندما تعادلت مع هولندا في البطولة نفسها بعد أداء مشرف. ويكمن الاختلاف بين هذا وذاك, في أشكال وطرق التعبير عن الالتفاف والتضامن, نتيجة اختلاف طبيعة الأجيال في التعبير عن المؤازرة, بحيث برز لون جديد من التشجيع. فالاحتفاء الجماهيري بالمنتخب الوطني ليس ظاهرة جديدة وإنما مظاهر التعبير عنها هو الذي يحمل ملامح الجدة, علي نحو ما تعبر عنه بعض المؤشرات التالية:
1 ـ ازدياد عدد أعضاء رابطة مشجعي منتخب مصر التي شكلت من أجل مساندة جميع المنتخبات الوطنية, ومنها منتخب كرة القدم في جميع المنافسات, بحيث بلغت ما يقرب من250 ألف مشجع وفق إحصاءات عام2008.
2 ـ التفاف القطاعات المختلفة من المجتمع المصري, كبارا وصغارا, نساء ورجالا, بالعلم المصري, قبل وبعد المباريات التي يشارك فيها المنتخب الوطني, بكثافة غير مسبوقة, بل وإطلالها من نوافذ السيارات وبأيدي الأطفال.
3 ـ اختراع تقاليع خاصة ببعض الرسوم علي الوجوه, وتحديدا ما يتعلق منها برسم علم مصر. وفي الأيام الماضية, فإن العابر لميدان عبد المنعم رياض في وسط القاهرة, يري لوحة كبيرة تعبر عن هذا المعني بحبك يا مصر.
4 ـ الوجود الكثيف حول شاشات العرض التي تقام في الميادين العامة وأماكن التجمعات وبعض المقاهي, سواء كانت في الأحياء الشعبية أو المناطق الراقية, لرؤية المباريات.
5 ـ الهتاف بشكل جماعي منظم من المدرجات, وعدم حمل لافتات عدائية أو شعارات مضادة أو الهتاف بألفاظ بذيئة.
ما لا يقل أهمية عن ذلك كله هو الحالة الاجتماعية والصحية لجموع المواطنين المصريين الذين يشاهدون المباراة, حيث أصبحت الطبقات الشعبية متواضعة الحال التي كانت تشهد المباريات في السابق وقد حل محلها طبقة وسطي مستورة وميسورة وبالغة القوة والعنفوان, هتافاتها باللغة العربية, ولافتتاها بالعربية والإنجليزية معا, لأن المباريات المصرية لم تعد محلية, وإنما جزء من الفضاء الرياضي العالمي. وخارج الاستاد الرياضي يوجد ما هو أكثر, فمن يشكو من الفتنة الطائفية سوف يجد الكنائس والجوامع تتوحد كما لم تتوحد في مناسبات أخري, ولن يعرف أحد مصريا من آخر حسب الدين أو اللون, وإنما الكل مصريون يدعون بالنصر للفريق القومي المصري.
المسألة المنهجية هكذا واضحة, فما يبدو في الصورة السابقة هو عناصر القوة المصرية, ولعلها لا تخفي أن ما وراء الصورة أو خارجها صورا أخري بائسة وتعيسة, ولكن التغني بها واللعب علي أوتارها ربما يكون مريحا, أو حتي يعطي دورا, أو يسجل نقطة في خلاف سياسي, ولكنه بالتأكيد لا يرفع أمة ولا يبني بلدا, فما يرفعها ويبنيها هو كيف يمكن لعناصر القوة والغني أن تجذب عناصر الضعف والفقر إلي حيث تكون. ومع كل دعواتنا للفريق القومي بالتوفيق اليوم, فإنه لا يزال في الجعبة الكثير من تأمل في عمليات التحول التاريخية الجارية في مصر. انتظرونا!!.
* نقلا عن "الأهرام" المصرية