ربما يتساءل من يقرأ العنوان أعلاه ومعه كل الحق : وما الذي يجعل من صفحات الرأي أو السياسة وأحيانا الحوادث والجريمة، ساحات للأفكار والآراء والوقائع حول مباراة في كرة القدم مهما كانت أهميتها بالنسبة لطرفيها المتنافسين؟!! لكن التداعيات التي سبقت المباراة على مدى أكثر من شهرين جرى خلالهما تجييش وشحن وحشد الرأي العام لـ “المعركة” و “الموقعة” و “تقرير المصير” في يوم 14 نوفمبر “أمس”، كلها تقود الى طرح السؤال ومحاولة العثور على جواب شاف، حول مدى قدرة الأمم على ترتيب الأولويات بدقة وتصحيح المفاهيم وفقا لذلك.موقعة 14 نوفمبر قد تكون مباراة حاسمة تقرر هوية من يصعد من البلدين مصر أم الجزائر الى كأس العالم في جنوب أفريقيا في شهر يونيو المقبل، لكن طرفي الموقعة استدعيا الى ساحتها وقائع التاريخ والسياسة، فتحدث جزائريون عن أنهم هم من بنوا القاهرة على يد القائد الفاتح “الجزائري” - على حد قولهم -المعز لدين الله الذي أسس مدينة القاهرة لتكون عاصمة الدولة الفاطمية، أي أنهم هم من بنى مصر وفريقهم هو من سيهدمها!!
ورد متطرفون على الجانب المصري بأنهم هم من شارك في حرب تحرير الجزائر، وتحمل وطأة العدوان الفرنسي جراء ذلك، وهو من عرف العالم بالقضية الجزائرية عبر الفيلم التاريخي «جميلة بو حيرد» .. هكذا انطلقت أبواق ما يسمى بالإعلام الرياضي تستدعي وقائع التاريخ وشواهده الى ساحات الرياضة، مصحوبة بالتهديد والوعيد. اليوم وعندما ينشر هذا المقال تكون المباراة بين الجانبين قد انتهت مساء أمس، وعرف الجميع نتيجتها ليصعد من يصعد ويغيب من يغيب،، لكن ما لن يكتشفه هؤلاء وأولئك على الجانبين إلا بعد وقت طويل، هو مقدار ما ألحقه العبث من ضرر بمصالح الشعوب، بعد تلك الضجة التي غذتها او بالأحرى صنعتها ماكينة إعلام قصير النظر يجري وراء الربح السريع مدغدغا مشاعر الجماهير.
ما السر وراء هذه الضجة؟ هل هو التنافس التقليدي بين فريقين من قارة واحدة؟! هناك فرق أفريقية كثيرة نافست الجزائر ونافست مصر في ذات المضمار وهزمتهما معا دون أن تقرع الجماهير طبول الحرب. هل هو التنافس بين عرب شمال إفريقيا الذين طبعت لقاءات فرقهم الرياضية بطابع (الديربي)؟ ربما، لكنهم تنافسوا مراراً في مواقف سابقة دون أن تبلغ المنافسة هذا المستوى الذي انتقلت معه من صفحات الرياضة الى صفحات الحوادث. أذن هل هي منافسة خاصة بين مصر والجزائر؟ .. ربما.. خاصة وأن المصريين هم من أقصى الجزائر عن المشاركة في كأس العالم عام 1990 بإيطاليا وصعدوا على حسابها.. ثم إن جزائريا هو من تسبب طبقا لحكم قضائي مصري في فقء عين طبيب مصري عام 1989 عقب مباراة انتصر فيها المصريون.. لكن القضية سويت وتصالح المصريون مع كابتن منتخب الجزائر الذي أدين قضائيا في هذه الحادثة وانتهى الأمر. أين إذن تكمن المشكلة؟!
أغلب الظن أن ثمة من يربط بجهل بين ما تحققه الانتصارات في كرة القدم وبين المكانة السياسية والدور القيادي، وهو ربط قاصر فضلا عن كونه (بليدًا) أسهم بدوره في تأجيج نيران المنافسة الرياضية إلى مستويات غير رياضية، وهو قبل هذا وبعده عنوان على (فراغ) بأكثر من كونه عنوان لـ(الحضور)، ثم إنه أيضاً دليل على جهل من يقودون الأمور في هذا الاتجاه. فلا ينسى أحد أن الولايات المتحدة القوة العظمى الرئيسية في العالم كله غابت عن عالم كرة القدم أكثر من قرن من الزمان، ومعها اليابان وكوريا الجنوبية والصين. ولا ينسى أحد أن أمريكا التي أدخل كيسنجر كرة القدم إليها في السبعينيات وأسس نادي كوزموس واستقطب من أجله نجم نجوم العالم بيليه لنشر شعبية اللعبة في أوساط الأمريكيين، لم تشارك في كأس العالم سوى مؤخرا، وإن دولاً أفقر مثل المكسيك كثيرا ما تأهلت لكأس العالم بل واستضافتها حتى قبل أن تعرف أمريكا الكرة. كذلك اليابان عرفت كرة القدم متأخراً أيضاً لكن ذلك لم يكن دليلا على تراجع مكانتها وانحسار دورها، فللمكانة والدور أدوات ومقتضيات ليس من بينها -ربما على الأطلاق- كرة القدم أو غيرها من الكرات، إلا عندما لا تملك الشعوب خبرات وبدائل الحضور والتأثير، ساعتها تتنافس في كرة القدم مثل بعض شعوب العالم الثالث وحتى في صراع الديكة والكلاب وسائر الكائنات مثلما هو حادث في أفغانستان معظم الأحيان، وفي العراق أحياناً وفي جمهوريات آسيا الوسطى الناشئة كذلك.
كرة القدم قد تكون منتجاً وطنياً ناجحاً كما هي في البرازيل واحدة من أهم صادراتها وأحد مصادر الدخل بها، لكنها أبداً ليست منتجاً سياسياً ولا ينبغي لها أن تكون، ولا هي ساحة لاستصدار بدل فاقد لشهادات التفوق ومؤهلات القيادة والدور السياسي وسواه وإنما هي ساحة للتنافس الرياضي الشريف هدفها المتعة والإثارة والترفيه. ولكن عندما تتحول هذه اللعبة الشعبية الأولى في العالم بوعي البعض وبلا وعي البعض الآخر إلى أداة للتنافس السياسي حول الدور والمكانة فإن ملاعبها تصبح ساحات للتناحر والعصبية المرفوضة، تصطرع على إثرها مصالح الشعوب والأمم، ويتقوض تيار التاريخ مديراً ظهره لأطرافها. الأمم القوية العفية تتنافس في ساحات الرياضة بما فيها كرة القدم، فتمتع وتستمتع، دون عصبية ولا جاهلية ولا تنابز بالألقاب ولا استدعاء للتاريخ والسياسة ولا إقحام للدور والمكانة هل تعلمون لماذا؟! لأن مجالات النجاح والتفوق لدى هذه الشعوب كثيرة جداً وكبيرة جداً.. ولأن مساحات الأمل عندهم أضعاف أضعاف مساحات الإحباط ولأن ملاعب كرة القدم ليست الساحات الوحيدة أو القليلة التي تولد أو توأد فيها آمال هذه الشعوب.
مالك بن نبي العلامة الجزائري الأشهر هو صاحب مقولة “الظاهرة الذرية آفة العقل العربي” وكان يرحمه الله يرى أن الانشغال بذرات الأشياء والاحداث والوقائع دون وعي بالمشهد الكلي يقود حتما الى التهلكة معتبرا أن ذلك هو الخطر الحقيقي الذي يحدق بالعرب، لكن مالك بن نبي لم يعش ليرى ما يحدث في مباراة لكرة القدم بين جماهير دولتين عربيتين احداهما الجزائر “وطنه”. ما يعيد مباريات كرة القدم في عالمنا الثالث من صفحات الحوادث والسياسة والرأي إلى صفحات الرياضة هو إنجاز علمي أو سياسي أو اقتصادي أو إنساني.. فمثل هذه الإنجازات لا تجعل الملاعب ساحة لعلاج الإحباطات.
* نقلا عن "المدينة" السعودية