رغم خسارتنا للمباراة الفاصلة.. ورغم أسفي - كأي مصري محب لبلاده - لهذه الخسارة.. فإننا ينبغي ألا نُحمِّل المسألة فوق ما تحتمل.. فرجال منتخبنا الوطني لم يقصروا بل قاتلوا وصابروا حتي النهاية.. وقدمو أداء حضاريا مشرفا في الملعب وخارجه. أشاد به العالم أجمع.. وتلك هي كرة القدم. فيها الفائز والمهزوم.. وكما دعونا الله جميعا - قبل المباراة وأثناءها - بالفوز.. فإنه ينبغي ألا يغيب عنا أيضا قوله تعالي:û لىكّيًلا تّأًسّوًا عّلّي¢ مّا فّاتّكيمً ¤ّلا تّفًرّحيوا بىمّا آتّاكيمً ¤ّاللَّهي لا ييحىبَي كيلَّ ميخًتّالُ فّخيورُ "الحديد 23".. لقدخرجنا من تلك المباريات بعدة مكاسب أهمها.. أنها جمعتنا علي قلب رجل واحد نحو هدف واحد.. وهو ما ينبغي أن نبني عليه ونحن نستقبل أهدافنا القومية الكبري لإنجاز تقدم حقيقي في المرحلة المقبلة.
ولست أتفق في الرأي مع الذين يهاجمون إعلامنا بتهمة المبالغة في تعبئة الجماهير وحشدها وراء مباراة في الكرة - علت أو دنت - ليس تعظيما لقدر الفوز في المباراة الأولي بالقاهرة .. بل إكباراً لرمز جسَّد شوقاً جارفاً للإنجاز. وفرحة طاغية مست شغاف القلوب.. وتملكتنا جميعاً في وقت واحد.. ولأن تلك الفرحة - في رأيي - هي التي أججت حماس الإعلام. وزادته سخونة واهتماما بتغطية الحدث.. ومن ثم فلم يكن مقبولا ولا مستساغاً أن يغيب إعلامنا عن تسجيل فرحة المصريين الذين عبروا عن سعادتهم بأسلوب حضاري أشاد به العالم أجمع.. فاتجهت الأنظار كلها إلي لاعبي منتخبنا الذين حصدوا الإعجاب والآهات. ودعاء الملايين الذين تعلقت قلوبهم بهؤلاء اللاعبين وجهازهم الفني.
أعادت تلك المباراة - من دون شك - اكتشافنا لأنفسنا. وجسدت الروعة والنظام والتحضر والتوافق والاتحاد الوجداني لشعب مصر بأسره في حالة فريدة لا نراها إلا في مناسبات بعينها.. مثلما حدث أثناء حرب أكتوبر 1973. وبطولتي أمم أفريقيا 2006. 2008. وكأس القارات الأخيرة لاسيما حين حققنا فوزاً صعباً ومستحقاً علي إيطاليا.
الفرحة الطاغية التي غمرت المجتمع بجميع فئاته وأطيافه وطبقاته عبرت عن شوق جارف نحو تحقيق أي إنجاز قومي. فالمباراة ورغم أنها منافسة عادية بين فريقين شقيقين. قد اجتمعت لها عوامل الإثارة والاهتمام الجماهيري» حتي بدت وكأنها مناسبة قومية في سياقها وظروفها.. فثمة شد وجذب من الطرفين. كاد يحدث احتقانا شعبيا لا مبرر له إطلاقا بين الأشقاء لولا تدخل القيادة السياسية في البلدين للتهدئة. وإعادة الأمور إلي نصابها.
الحالة الفريدة التي بَدَوْناَ عليها أثناء المباراة وبعدها تثير عدة ملاحظات وأسئلة. أراها ضرورية. يجب ألا نغفلها في هذا السياق.. فمن الواضح أن هناك تعطشا جارفاً لمشروع قومي يمكنه إذا وجد أن يؤلف بين القلوب. ويزيل الاحتقانات. ويجمع الأشتات علي قلب رجل واحد. ويحشد الجهود ويدفع الطاقات نحو غاية واحدة. ومصير واحد. وهو ما ظهر جلياً في ردود أفعال الجماهير علي اختلافها. في لحظة بدت مناسبة لاستقبال وميلاد مشروع قومي مهما يكن حجمه وهدفه. تحمله تلك الجماهيرعلي أكتافها ترعاه و تسهر علي تنفيذه.. وتبذل في سبيله الجهد والعرق والعمر..!!
ورغم أنني مع الالتفاف والتوافق حول الرمز - مهما يكن - مادام يحقق الإجماع الشعبي. فإنني لست مع الذين يَرْجُون أن تكون الرياضة عموماً. وكرة القدم علي وجه الخصوص مشروعاً أو بديلاً للمشروع القومي» إذ هي لا تصلح لذلك. ولا تصمد في الواقع.. فالفوز بمباراة يتبعه شعور زائف بالزهو والنصر.. كما أن الهزيمة هي الأخري تخلق صدمة في نفوس المشجعين سرعان ما يزول أثرها أيضاً.. فتذهب السَّكْرة وتأتي الفكرة.. ويجد هؤلاء أنفسهم من جديد أمام الواقع بكل تحدياته ومشكلاته..!!
وليس منطقياً في مجتمع يئن تحت وطأة الأمية. والزيادة السكانية الرهيبة. وتخلف التعليم والصحة. وغياب الانضباط عن الشارع. وتراجع ثقافة العمل والإنتاجية.. ووجود المشاحنات الطائفية التي تطل بوجهها القبيح بين الحين والآخر.. ليس منطقيا ولا مستساغاً والحال هكذا أن ننسي تحدياتنا وأزماتنا. وتصبح غاية آمالنا الفوز بمباراة هنا أو هناك حتي ولو كانت في كأس العالم..!!
فثمة ميادين تصلح وعاءً وبيئة حاضنة لمشروع قومي حقيقي يلمس واقع الناس. ويرفع العبء عن كاهلهم. ويوفر لهم مزيداً من الرخاء والرفاه.. ليكن هذا المشروع - مثلاً - برنامجاً وطنياً للتعليم العصري.. أو ليكن "تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء" أو استصلاح الصحراء وإعمارها بالبشر.. أو ليكن هو "المشروع النووي".. ليكن واحداً من تلك المشروعات أو بعضها أو كلها.. والتي يمكن أن تنقلنا
إن تحققت - إلي عصر آخر نحن جديرون باللحاق به. بعد أن تأكد لنا أن لدي جماهيرنا مخزوناً هائلاً من الوطنية والحيوية والولاء. والاستعداد القوي للانصهار في بوتقة هذا الوطن.. ولديهم أيضاً عزيمة صادقة جبارة علي إحراز النصر والتفوق حتي لو كان في مباراة للكرة..!!
ولست أنكر أن الرياضة ورغم كونها منظومة تعزز قيماً نبيلة في النفوس.. فإن الناس أيضاً في حاجة إلي هدف قومي يخلق إجماعاً وطنياً يدوم أثره.. ويحظي بقبول الناس كما حظيت مباراة مصر والجزائر التي دفعت إلي الذهن أسئلة عديدة من بينها:
ألا يستحق شعب بهذه الدرجة من الوعي والعظمة والتحضر اهتماماً أكبر وهدفاً أعمق. يلتف الجميع من حوله.. وكيف يمكننا أن نستثمر هذا الزخم. وتلك المشاعر الفياضة من الحب والانتماء والفرحة.. والحالة المزاجية الجماعية المتفائلة.. لنبني فوقها هدفاً قومياً أكثر ثراء ومقبولية وإنتاجية من جميع أفراد المجتمع.. وما أكثر تلك الأهداف..؟!
فهل يمكننا أن نبقي جذوة الحماس الوطني التي خلفتها فرحة الفوز بالمباراة الأولي مشتعلة في النفوس والقلوب والعقول.. تحلق في سماء الوطنية.. وترفرف في ذاكرتنا القومية؟!
ولماذا لا نصر علي الأمل.. ونطرد كآبة اليأس والملل والعزوف عن المشاركة في شئون الوطن وشجونه وهمومه.. ولماذا لا نصر علي ألا تفلت منا تلك الفرصة في هذه المرة.. وألا تتسرب - كغيرها من لحظات العمر الجميل - من بين أناملنا..؟!
ولماذا لا نصر علي المشاركة السياسية الفعالة والدائمة بنفس حماسنا وإصرارنا علي تشجيع المنتخب الوطني ومؤازرته حتي النهاية..؟!
لقد كانت عدالة الله عز وجل فوق الجميع. إذ شاءت إرادته ألا يبيت شعب مصر حزينا كسيف البال علي ضياع الحلم في التأهل للمونديال. فلاحظتنا عنايته. وأدركنا توفيقه في اللحظات الحاسمة» استجابة لدعاء الملايين من شعب مصر. الذين ابتهلوا إلي الله بخالص الرجاء.. فحقق الله آمالهم. ومنحهم نصراً عزيزاً في أطراف المباراة. حتي لا تسرق نشوة الانتصار فرحتهم. وتلهيهم عن الحفاظ عليه حتي النهاية.. وحتي لايجد خصمهم فرصة لإفساد فوزهم بتلك المباراة!!
لقد وجدت الجماهير هدفاً يوحدها بعدما فرقتها السياسة. وتجاذبتها المصالح علي اختلافها. وتنازعتها الأهواء والاختلافات والأغراض.. وحين عثرت علي هذا "الهدف" تعلقت به وتشبثت بتلابيبه» لتعيد اكتشاف نفسها من جديد.. بعدما مضي وقت طويل. ونحن نتحدث عن غياب مثل هذا الهدف.
تناسي الجميع في غمرة أفراحهم.. البطالة ومنغصاتها.. وأنفلونزا الخنازير وتهديداتها.. والقمامة ومشكلاتها.. بل تجاوزنا خلافاتنا. واختلافاتنا الطائفية والمذهبية.. واتجهت أنظارنا جميعا - مسلمين ومسيحيين. معارضين ومؤيدين. فقراء وأغنياء. شعباً وحكومة - صوب فريقنا.. واجتمعت كلمتنا جميعاً علي صيحة واحدة تردد في نفس واحد : " مصر.. مصر..".
لقد توهم بعضنا بل كثير منا أن ما يعانيه شبابنا من مشكلات. وما يقاسيه مواطنونا من أزمات قد باعد بينهم وبين الولاء لمصر. وجعلهم في خصومة مع الوطن. وهي أوهام سرعان ما بددها أول ضوء يشرق من نفوس المصريين علي مفترق حقيقي دعا إلي عبوره نفير الوطنية ونداء الواجب.
خَلْقُ الأهداف الكبري ليس مسئولية الحكومة وحدها. بل هو ضرورة مجتمعية تفرضها التحديات الراهنة.. ويتحمل مسئوليتها جميع قوي المجتمع.. تلك اللحظات الفارقة قلما يجود علينا الزمان بمثلها.. وهي إن صح العزم وخلصت النية سوف تنقلنا من وضع إلي وضع أفضل.. وتنعش الذاكرة الوطنية بنسيم الانتصارات التي تستحقها مصرنا الغالية وشعبها العظيم بجدارة.
فهل نتشبث جميعاً بأجواء الفرحة. وننسج علي منوالها أملاً يتحلق الجميع من حوله.. ويقفون من ورائه» حتي نجد مصر التي نتمناها ونحلم بها..؟!
* نقلا عن صحيفة "الجمهورية" المصرية.