عارف العواني
كرة القدم لم تكن اللعبة الشعبية الأولى في العالم لصعوبتها بل انها انتشرت في جميع بقاع الأرض لسهولتها وبساطة قوانينها وامكان الحكم على جماليتها من الطفل قبل الكهل، وذلك من خلال منتج يسلم للجمهور بعد الكثير من العمل الشاق بالطبع على انتاجه، ولكن كسائر المنتجات والمستهلك في النهاية لا يهمه أين المصنع وكيف تم تصنيع المنتج بقدر أهمية أن يكون على قدر ذوقه ويصله باعلى معايير الجودة التي يراها في المنتجات الاخرى.
ودورينا وكرتنا الجميلة تعبر عن منتج عالي الجودة، لكنه ما زال يعاني من عدم اكتمال عناصر النجاح اللازمة لانتاجه وتسويقه بصورة مثالية.
ويخرج من هذه العناصر المهمة للنجاح عنصر واحد خارج السرب، رغم سلبياته العديدة، هو الاعلام الذي أعطى الكثير من الاثارة والمساحة للعبة واطرافها المختلفة التي تبدأ من الملعب ولا تنتهي خارجه أبدا.
ومع هذه المساحة الاعلامية الهائلة أصبح لدينا العديد من العبارات المحفوظة مسبقاً والمجهولة المعنى حتى لمن هو ضليع باللغة العربية وعلم البلاغة.
فعبارات الثناء والمجاملة أصبحت هي الغالبة رغم عدم تحقق الانجاز بعد ولا أعلم هل المجاملة أصبحت هي الهم من النتائج أم العكس هو الصحيح.
على مستوى التعليق مثلا الألقاب أصبحت لجميع الفرق بالجملة والتفنن في المصطلحات والمسميات الجديدة أصبح أهم من التعرف على اسماء اللاعبين وان لم تكن محظوظا ولديك معرفة مسبقة باللاعبين فستستمع إلى موجة من المعلومات والمجاملات لا تنتهي إلا بصراخ يدل على أن هناك هدفاً سجل أو آخر تم إلغاؤه، والمعلق آخر من يعلم بالطبع لانشغاله حينها في قراءة ما أعده من مدح.. والأغرب أن بعضهم أصبح يستخدم نفس الصرخة لضربة الجزاء التي لم يتم تسديدها بعد.
والمجاملة أو المدح للأسف انتقلت للجميع بما فيها الاستديوهات الفنية فلا تستغرب أن يتم وصف فريق ما دفاعا عنه أو مجاملة له بأنه صرح وكيان كبير وكأن باقي الاندية اندية حوار والأغرب أنني حتى الآن بانتظار معرفة ذلك النادي الذي لا يمكنني اعتباره صرحاً وكياناً.. وإن تعسرت علينا الاوصاف والعبارات فالاسهل حينها أن نصف الفريق بأنه كبير دون تحديد معنى الكبر في هذه الحالة فهل هو الفريق الذي أصبح كهلا لا يقوى على الوقوف أم هو ذلك الذي ينافس في جميع المباريات أم ذلك المعتزل الذي يحاول العودة للمنصات.. المهم أن الفريق كبير وفي نفس الوقت نعجز بالتأكيد عن وصف أي فريق بمسمى “صغير”.
أما على مستوى الادارات فتم توكيل عبارات التحدي والتنافس القوي للجماهير، وفي حالة الفوز بدون أداء يذكر يتم اللجوء للقاعدة المكسورة بأن النقاط الثلاث هي الأهم دون أي اكتراث للمشاهد وأهمية حضوره للاستمتاع بجمال المباريات، ولا يتم أخذ أي اعتبار بأنها رغم الثلاث نقاط تدق ناقوس الخطر، ولو كانت مباراة نهائية لرضينا فهي تعني البطولة ولكننا بعيدون عن النهائيات بالتأكيد.
والأدهى والأمر حين يتم الاكتفاء بعبارات تتمنى التوفيق للفريقين، حتى لو كانت المباراة لا تحتمل التعادل كمباريات الكأس.. والايمان فجأة بالقضاء والقدر في حالة الخسارة من دون الاعتراف بالأخطاء إلا في ما ندر، وكلنا نؤمن بالقضاء والقدر والحمد لله، ولكننا مؤمنون أيضا بأن الأخذ بالأسباب من أهم الأمور الايمانية، وحديث رسولنا صلى الله عليه وسلم “اعقلها وتوكل” معروف لدى جميع من يؤمنون.
والحكام بالطبع بشر معرضون للخطأ، كأننا كنا نعتبرهم مخلوقات غير بشرية قادمة من الفضاء، وكأن الخطأ مقبول منهم فقط وغير مقبول من الآخرين.. نعم الكل معرّض للخطأ ولكن خطأ المجتهد يختلف عن خطأ الكسول الذي ينافس نفسه في الفصل المدرسي المحلي.
لو سرنا على هذا المنوال فسنبقى بالفعل في أماكننا لا نحتمل كلمة حق، يطلق عليها انتقاد، وكأنها انتقاص من شخصنا وليست عاملاً مساعداً لنا لمعرفة اخطائنا.
* نقلاً عن صحيفة "الخليج" الإماراتية
