عُذْراً سلفاً من كل أنصار كرة القدم، لما سنقول بعد قليل.
لكن على هؤلاء الاعتذار هم أيضاً من الغوغاء والدهماء المبثوثين في صفوفهم، والذين لطالما روّعوا الملاعب وعاثوا فساداً بين الشعوب والمجتمعات.
صحيح أن هذه اللعبة تمتزج فيها لسبب ما، وأكثر من غيرها من الألعاب، روح التنافس الرياضي بالعصبيات الوطنية، إلا أن هذا ليس كافياً لتبرير العنف، وإطلاق الغرائز من عقالها، وتحويل التنافسات البريئة إلى حروب مقيتة.
حتى الآن لا نزال نتحدث عن مضامين كرة القدم كظاهرة عالمية. لكن الأمور تزداد سوءاً إلى حد كبير حين ننتقل من المستوى العالمي إلى الصعيد العربي.
وهنا نعني بالطبع الأحداث السوداء التي رافقت مباريات كرة القدم بين مصر والجزائر، والتي شهدت دوس الدهماء على كل/وأي رابط قومي أو ثقافي، أو حتى إنساني بين هذين البلدين العربيين.
في ليلة كالحة واحدة، كانت الغوغاء تُلغي تاريخياً عظيماً بأكمله بين هذين البلدين، هذه نفحة من فصوله:
تعرّض مصر إلى عدوان ثلاثي كان أحد أسبابه (الفرنسية) الانتقام من دعم جمال عبد الناصر للثورة الجزائرية منذ اللحظة الأولى لانطلاقها العام 1954. أكلاف هذا العدوان على مصر كانت باهظة بالفعل، خاصة أن هذه الأخيرة واصلت دعم الثورة مالياً وبشرياً وإعلامياً حتى انتصارها النهائي في 18 مارس/ آذار 1962.
قبل هذا التاريخ بوقت طويل، كانت مصر محجّة الطلاب والثوار الجزائريين منذ الاحتلال الفرنسي لها العام 1830 وحتى منتصف القرن العشرين. لا بل يمكن القول إن مصر الملكية والناصرية على حد سواء لعبتا الدور الأبرز في الحفاظ (أو بالأحرى في استعادة) عروبة الجزائر.
في المقابل، حفظ الجزائريون الجميل، فكان أحمد بن بيللا، أول رئيس للجزائر المستقلة، “يحج” باستمرار إلى القاهرة ليعلن ويُكرر من هناك ديمومة وثبات روابط الأخوة والعقيدة بين البلدين.
هذه الأحداث التاريخية ترجمت نفسها في نهاية المطاف في شكل روابط اقتصادية وثيقة، حيث مصر الآن أكبر مُستثمر في الجزائر خارج قطاعي النفط والغاز.
الآن، حين نضع كل هذه المعطيات في كفة، والعنف الغوغائي الذي يترافق الآن (وترافق أيضاً مع مباريات التأهيل لكأس العام العام 1989) في الكفة الأخرى، فَعَلامَ سنحصل؟
على مُحصلتين اثنتين: الحزن والغضب.
الحزن، لأن التاريخ المُشرِق للثورتين المصرية والجزائرية يتم تشويهه على هذا النحو. والغضب، لأن بعض الإعلام في كلا البلدين تنكّر لكل المعايير القومية العربية والأخلاقية، حين عمل على النفخ في روح الأحقاد والضغائن، فغرق بذلك في المستنقع الآسن نفسه الذي ترضع منه الدهماء.
بالطبع، الأمر يجب ألا يقتصر على الحزن والغضب. إذ ما كشفت عنه هذه التطورات هو غيض من فيض العلاقات المتوترة بين العديد من الشعوب العربية، والتي يجب التحلّي بشجاعة الاعتراف بها إذا ما أُريد الخروج من وهدتها. وهذا الذي تكشّفت عنه ليس غير ثقب فضاء أسود عميق يبتلع كل ما هو إيجابي في هذه الأمة.
وما لم تتحرّك الحكومات ومنظمات المجتمع المدني لدرء هذا الخطر، ستذوب الفكرة العربية في أتون هذا الثقب الذي لاقرار له، ولاوجود من بعده.
نقلا عن "الخليج" الإماراتية