من أهم ضرورات العيش البشري منذ وجدت على سطح الأرض الغذاء والأمن، مصداقا لقوله تعالى: (الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف) . فالجوع يسبق الخوف وفقدان الأمن، لأن الجوع قد يكون سببا في فقدان الأمن، فالجائع يريد سد رمقه ومقاومة الموت بأي ثمن، وكل الدراسات تشير أن السرقة والسطو على أملاك الغير، وامتهان الجرائم، والإقدام على السلب والنهب غالبا ما يكون ويتولد وينشأ في بيئات الحرمان والجوع وقلة ذات اليد والفقر المدقع.
يقدر عدد الجياع في العالم بالمليار نسمة بما يساوي سدس سكان الكرة الأرضية، ويتوزعون على أكثر من (70) دولة، والمشكلة التي تحذر منها المنظمات المعنية بالتنمية أن هذا العدد آخذ بالازدياد ومرشح للتفاقم في السنوات القليلة القادمة، في ظل الارتفاع المتزايد في أسعار الغذاء، وفي ظل الأزمات الاقتصادية العالمية التي تجتاح أغلب دول العالم، وفي ظل عدم المبالاة التي تمارسها الدول المتخمة في ثروات العالم.
تعقد قمة الجياع في ايطاليا في ظل غياب واضح للدول الغنية وعلى رأسها مجموعة الثمان، التي لم تحضر منها سوى ايطاليا التي يقام المؤتمر على أرضها، وهذه الدول تتحمل مسؤولية كبيرة في مواجهة هذا العدو الشرس للبشرية، ليست مسؤولية أخلاقية فحسب، بل هي مسؤولية قانونية وفعلية، إذ أن هذه الدول مارست الاستعمار على معظم دول العالم، ومارست الاستعباد وسرقة الثروات ونهب الخيرات للبلدان الجائعة، وأدامت التخلف والجهل، ولم تأخذ بيد هذه الدول نحو الاعتماد على الذات حتى في مجال الغذاء، فالمشكلة كما يقول الدكتور جاك صنيون المدير العام لمنظمة الفاو بأن أزمة الغذاء هي أزمة سياسية، محذرا الدول الغنية والقوية من نقض عهودها ووعودها التي قطعتها على نفسها بالتبرع بـ (20) مليار خلال ثلاث سنوات وإلا فسوف يحل بالعالم أزمة غذائية عالمية جديدة.
ويقول الأمين العام للأمم المتحدة بأن ستة ملايين طفل يموتون في السنة بسبب الجوع بمعنى أن الموت يقضي على (17) ألف طفل في اليوم، بمعدل طفل يموت كل خمس ثوان، ولذلك فإن العالم مدعو لزيادة الرقعة الزراعية بنسبة 70%، والدول الغنية يجب أن ترفع مساعداتها لتصل إلى (44) مليار دولار سنويا من أجل حل حقيقي وضروري لأزمة الغذاء العالمية المتوقعة.
إن غياب الدول الغنية لا يعفي بقية الدول من تحمل مسؤولياتها بنفسها أيضا، وأن تتحرك بالسرعة القصوى بخطط فردية ضمن استراتيجيات تكاملية فيما بينها من أجل إنقاذ شعوبها، كما فعل الرئيس البرازيلي الذي عرض خطته الإصلاحية التي وفرت (20) مليون فرصة عمل للشعب البرازيلي للإفلات من الجوع، والذي استطاع أن ينجح في خفض سوء التغذية لدى الأطفال بنسبة 73%، وقلل وفيات الأطفال بنسبة 45%، منذ توليه الرئاسة عام 2003م، ولذلك فقد استحق الجائزة التي تسلمها تقديرا لجهوده في محاربة الجوع والفقر في بلاده التي احتلت المرتبة الأولى من بين ثلاثين دولة نامية.
ومن هنا فإن الدول النامية مدعوة لليقظة من نومها الطويل، وأن تحذو حذو البرازيل في هذا المجال، وهذه الدعوة موجهة إلى الدول العربية التي تعاني من قبضة تحالف الفساد والاستبداد، الذي يسير بها القهقرى في كل ميادين الحياة ومجالاتها، والتي أضحت عالة على العالم في غذائها الضروري بنسبة تصل إلى 95%، بما فيها الدول النفطية الغنية.
إن الخطوة الأولى تبدأ بإصلاح ديمقراطي حقيقي تمكن الشعوب العربية من اختيار حكوماتها اختيارا حرا ونزيها، وتمكن الشعوب من اختيار الأكفاء الأمناء الذي يغارون على أوطانهم وأقوات مواطنيهم، ويحرسون المال العام، ويملكون البرامج الفاعلة في الإصلاح والتنمية، من خلال تفجير الطاقات الكامنة في الأمة، بعيدا عن المزاجية والشللية والمحسوبية والفساد المقنع، كما تمكن الشعب البرازيلي من اختيار لويس داسيلفا، من رحم الطبقة العاملة.
أما الخطوة الثانية فهي الالتفات إلى الزراعة، بوضع خطة استراتيجية تزيد من رقعة الإنتاج الزراعي، وتوفر الغذاء الضروري، وتتجه صعودا نحو الاكتفاء الذاتي، بتشغيل السواعد المحلية وتوفير فرص العمل، والاستفادة من التقنيات المعاصرة التي تزيد الإنتاج وتوفر الماء، وتشغيل المهندسين الزراعيين الذين يعانون من البطالة المريعة بالتعاون مع المؤسسات النقابية النشطة.
لم تعد هذه المسألة ترفا فكريا أو مناكفة سياسية، إننا نقف على حافة الحفرة المخيفة التي تملك القدرة على ابتلاع الأخضر واليابس.
نقلا عن "الرأي" الأردنية