طبـاعةحفـظارسالBookmark and Shareمشاركة
الجمعة 03 ذو الحجة 1430هـ - 20 نوفمبر 2009م

جلود الأفاعي.. موضة ساسة العراق

 

محمد إقبال الصيدلي

برع الكثير من ساسة العراق اليوم في التغيير المصلحي لجلودهم وانتماءاتهم، حتى بات أحدهم يمسي إسلاميا ويصبح قوميا ويمسي بعثيا ويصبح وطنيا، وضاعت على المواطن العراقي حقيقة الكثير من هؤلاء الذين باتوا يركضون خلف مصالحهم، متناسين حقيقة أن أساس عملهم السياسي يجب أن يكون بالدرجة الأولى خدمةً لهذا المواطن المسكين الذي غلبه الهمّ وضاعف يومياته كثرة القتل والتهجير.

عندما كنا صغارا نتعلم من نافذة الحياة التي كانت تطل على بيوتنا العراقية البسيطة، محدودة الطرح والتأثير.. تلفزيون محلي يبث للعراق ما يريده القائمون على رأس وزارة الإعلام حينها.. كنا ننتظر بشغف بعض البرامج الوثائقية والعلمية التي كانت تعرض بين الحين والحين وكنت أحد الشغوفين بذلك وكان المفضل لديَّ التقرير المتعلق بالأفاعي ودورة حياتها وكان أكثر ما يثير انتباهي خروج الحية من جلدها وانسلاخها عنه برشاقة ثم تمضي بحلتها الجديدة غير عابئة بما خلفت وراءها.. أمتارا من الجلد تجسد هيكل الأفعى بشكل كامل بيد أنه راقد بلا روح.. كنا نتصور حينها بإدراكنا البسيط أن الأفاعي وحدها قادرة على ذلك.

لقد فاق الكثير من ساسة العراق الجديد اليوم قدرة تلك الأفاعي على تغيير جلدها فمرة تجده يلبس جلد الإسلاميين ومرة القوميين وبعدها ينسلخ عنه ليرتدي جلد البعثيين وسرعان ما يخلع ذلك كله ليبحث عن تقليعة اليوم «مودة» الوطنية.. الجلد الجديد الزاهي.. وهكذا تجده متقلبا بحسب طبيعة مصلحته التي تحقق له قدرا أعلى من المكاسب.. وهو كذلك كالأفعى يمضي تاركا ما خلف وراءه من جلد، بيد أن الأمر في دنيا الناس اليوم أصعب وأكثر إيلاما فما يخلفه هؤلاء وراءهم وما يركلونه بأرجلهم هو في الحقيقة هموم الناس وآهاتهم المعلقة فوق نواصيهم ومع كل جلد يلبسه هذا أو ينزعه ذاك يحرق المواطن الفقير البسيط آمالا كان يجدها ممكنة التحقيق.. والأدهى من ذلك أن هذا المتقلب الباحث عن مصلحته كثيرا ما تجده يحسن الكلام فيملأ شاشات الفضائيات والجرائد كلاماً مزوّقاً وشعارات بيد أنه لا يحسن العمل وكثيراً ما يفشل في تحقيق أبسط الأمور.

وهو يجيد فوق ذلك أمرين: اتهام الآخرين والتقليل من إنجازاتهم وطرح نفسه على أنه خيار الجماهير وأنه المسيح المخلص لهم.

السؤال الأهم الآن: هل سيخدع المواطن العراقي من جديد ويعطي صوته لهؤلاء الأفاعي والمتلونين؟ هل سيعطي صوته لأولئك الذين يمارسون عليه لعبة الخداع المتواصل متوسلين بأصوات المساكين والفقراء والمحرومين من أجل الوصول إلى غاياتهم المصلحية والشخصية بعيدا عن هموم المواطن والوطن، أم أن العراقيين اليوم سيرفعون شعار «التغيير» ويكونون الأكثر تأثيرا في حياتهم ومستقبلهم من خلال البحث عن بديل حقيقي عاش معه معاناة الاحتلال وظلم المعتقلات ورهبة التفجيرات؟

هل سيختار المواطن من خدمه على بساطة ما قدم وعلى كثرة ما اتهم به من تقصير؟ من كان مع الفقير الذي ليس لديه «ظهر» في إطلاق سراح أبنائه والدفاع عن المسجد الذي يصلي فيه ومن قدم الإغاثة لآلاف الأيتام والأرامل.. ومن وقف نفسه لنصرة المظلومين وأقدم عندما أحجم الآخرون وترددوا وقدم لأجل ذلك تضحيات كبيرة.. نزف كما نزف المواطن.. ودفن من أبنائه وإخوانه كما دفن الفقير من أحبائه.. وعانى.. ولم يترك بلده كما فعل «مغيّرو الجلود» المقيمون في فنادق الدول المجاورة.. الذين تجدهم عادة في المواسم الانتخابية.

الآمال والأنظار معلقة اليوم بوعي المواطن العراقي وإدراكه لسلوكيات بعض ساسته المتلونين، الذين سيملؤون آذانه بالشعارات كما فعلوا سابقا ولم ينجزوا مما وعدوا شيئا.

نقلا عن "العرب" القطرية

عودة للأعلى