قبل عشرين عاماً سقط جدار "برلين"، والعالم الأكبر يحتفل كل سنة بهذا النصر العظيم دون أن تراق قطرة دم واحدة، إلا أنه خلال تلك المدة الماضية بنيت جدُر وأسوار بين أمم وشعوب العالم الثالث ما يفوق وصفه عن جدار "برلين".
فالجدُر التي شيدت في العالم الثالث ليست من الإسمنت والحديد وإنما من الأفكار التي لا تعمر بقدر ما تلحق أضراراً تفوق أضرار النازيين في ذلك الزمن العاثر.
فالعالم الثالث كله سعيد بهذا الحدث مثل العالم الأول والثاني، وقد يزيد عليهم بحكم المعاناة المستمرة من ثقل وأغلال الجدُر المحيطة به، في الوقت الذي حزنه ينمو سلباً لأنه ليس في اليد خيار يشبه إرادة برلين الشرقية التي خرجت "ميركل" من صلبها لتحكم الألمانيتين في هذا الزمن المحظوظ.
قد يعتقد البعض أن هذا السقوط المتهاوي جاء فجأة ومن دون مقدمات، وهذا هو التفكير الخاطئ في متابعة شؤون تغير الأمم من الأسوأ إلى الأحسن، في كل الجهات الأربع من ظهر هذه البسيطة.
فالأهم من سقوط الجدار هو البحث عن الأسباب الحقيقية، التي أدت لذلك بعيداً عن النبش في التحليلات أو الدراسات التي تركز على أن الفروقات بين الشرق والغرب في ألمانيا الموحدة لا زالت قائمة، وواقع لا يخفى على المتابع للشأن بعد الوحدة وإن وضعت الحكومة الألمانية صندوقاً ثرياً للتعامل مع سلبيات السقوط بلغ قدره خمسة آلاف مليار يورو وهو مبلغ لا يستهان به حتى تتحقق العدالة والمساواة الاجتماعية بين شعب برلين في اختياره إلى حضن الشطر الغربي للأم الواحدة.
في التاريخ المعاصر إنجازات حضارية تختصر الإنجازات السابقة في بعدها الزمني، فإعادة الطفل السيامي إلى وضعه الطبيعي ليس بالأمر السهل، فهذا ما يفترض أن يحصل ما بين كوريا الجنوبية والشمالية من أجل مصلحة شعبي الشطرين المنقسمين منذ عقود والعدوين اللدودين.
والأمثلة كثيرة ولا تحتاج إلى أدلة، فليس شرطاً أن يكون هناك حدود مادية حتى نثبت بأن الجزء الأكبر من العالم لا زال يعيش حياة تلفها الجدر الشاهقة والماحقة لكينونة الإنسان منذ زمن زاد في قسوة الإجراءات التي تقيد الألسن والأيدي عن فعل الحرية التي ولدت من رحم "سور برلين".
قبل عقدين من ذلك الزمن الذي لا يراد ذكره لتراكم المآسي والأهوال فيه باطنة وظاهرة. فأول جدار يجب أن يهدم في العالم الثالث هو جدار الصمت عن الظلم العام الواقع على رقاب الشعوب من قبل بعض الأنظمة التي لا تعيش إلا عبر الأسوار العالية والجدر المصمتة. فالفرح لانتصار الآخرين أمر حسن لطمأنة النفس بأن هناك بريقا من الأمل لدى الشعوب الحرة لفعل المزيد مما يغير مجرى التاريخ.
ولكن الأحسن هو أن يصل إنسان العالم الثالث إلى ذلك المستوى لمشاركة الإنسانية الغاية لذات الفعل الواقع في العالم الأكبر أو المتقدم.
هنا نكون في وضع منسجم مع القيم العالمية التي لا تحجزها الجدر الإسمنتية ولا الأسلاك الشائكة أو الأنظمة الإلكترونية التي تدب على الأرض لاصطياد الضحايا الذين يبحثون عن نسمات الحرية فيما وراء السدود والأنفاق والحدود المصطنعة.
سقوط "جدار برلين" في حد ذاته عظة سياسية ودرس دقيق في أن قهر الإدارات للإرادات لا يمكن أن يستمر طويلاً في زمن النسبية المطلقة لحركة الإنسان في الكون الأصغر أو الأكبر، لأن نهاية تلك الإدارات ستخضع عاجلاً أم آجلاً لإرادات الشعوب وعنصر الزمن هو الكفيل بذلك.
* نقلا عن "الاتحاد" الإماراتية