بتركيزه على الجزاء الأخروي وعلى كون الدنيا دار اغتراب وليست دار مقام، يؤكد الإسلام على مسؤولية الإنسان الفردية عن أعماله خيرها وشرها! إن أحسنتم فلأنفسكم وإن أسأتم فلها، وقد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها، فلا مناص إذا من تزكية النفس وجهادها كسبيل للخلاص، والانعتاق من سجن البدن وعبادة الشهوات! والإسلام يضع ترمومتراً ذاتيا يقيس به الفرد درجة الإحسان لديه، فيصل إليها عندما يعبد الله كأنه يراه، وإن لم يكن – الإنسان - يرى الله، فالخالق جل وعلا يراه!!
بينما يؤكد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم على ذات المسؤولية الفردية حينما يقول لنا: الإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس، فداخل الإنسان وفي أعماقه يوجد المقياس والضابط! أي مدرسة حضارية تلك التي يتعلم فيها المرء أن يكون رقيبا على نفسه؟! يلومها إذا ما تنكبت عن الطريق السوي، ويسارع إلى تطهيرها من آثامها بالاستغفار والتراجع عن الخطايا! من هذه المدرسة تخرجت الغامدية التي زنت وجاءت لرسول الله صلى الله عليه وسلم مرة تلو المرة ليطهرها بتنفيذ حد الرجم! من ذات المدرسة تخرج آخرون غيرها، ممن كانوا يسألون الرسول الكريم عن ذنوبهم فيربت الرسول الكريم على ضعفهم البشري، ومن ذاك ما رواه أنس بن مالك عن الرجل الذي أصاب حدا ثم جاء للرسول الكريم يطلب منه إقامة كتاب الله فيه، فسأله الرسول الكريم: هل حضرت الصلاة معنا؟ قال نعم، قال قد غفر لك!!
"ولو فعَلنا مدرستي الإحسان والإثم ما حاك في صدرك، لكفتا ووفتا ولأغنتنا عن الوصاية والرقابة والتجسس وملاحقة الناس! ومدرسة المسؤولية الفردية تضعك وجها لوجه أمام عملك وما يترتب عليه من نتائج، ولا ألف مطوع يستطيع أن يمنحك الخلاص أو يقف بينك وبين النار، فكل آتيه يوم القيامة فردا! مدرسة المسؤولية الفردية هي ذاتها التي يطلب فيها من الرجال والنساء على حد سواء غض أبصارهم وتزكية أنفسهم، ويتعلمون من خلالها آداب الاختلاط مع بعضهم البعض!!
ولو كانت النساء لازمات لبيوتهن، قارات فيها، لا يخرجن منها ولا يشاركن في الحياة الاجتماعية، لما أمر الله عباده رجالا ونساء بغض البصر، ولما علمهم آداب الاختلاط! والسجال الدائر اليوم حول قضية حجاب المرأة - بمعنى عزلها وفصلها التام عن الحياة العامة والمشاركة فيها- ليس إلا سجالا حول استقلالية المرأة وذلك الخوف الهستيري منها، كونها تفرض على الرجل ضبط غرائزه وشهواته عندما يرى المرأة أمامه، وتضعه في مهب غرائزه، دون الحماية المعتادة التي صفدت المرأة ( الفتنة ) داخل قضبان الفصل، أو أسبلت على جسدها -المسؤول عن خطايا الرجل - طبقات من سواد الحجب، وأمعنت في اقصائها عن المشاركة في كافة مناحي الحياة ! فالحجاب يمثل الآلية المنظمة للغريزة الجنسية عند الرجل، أي من خلال الفصل المكاني !
والرجل الذي هدهدته الثقافة وفرضت على المرأة حمايته من نفسه، فحجبتها عن الحياة دون ذنب إكراما له، وسدا لذرائع رغباته السادرة في غيها دون إلجام ذاتي منه.. سيصاب حتما بالرهاب خوفا من أن يوضع وجها لوجه أمام مسؤوليته الفردية !
*نقلا عن "الوطن" السعودية