طبـاعةحفـظارسالBookmark and Shareمشاركة
السبت 04 ذو الحجة 1430هـ - 21 نوفمبر 2009م

ثلاثون عاماً وفئران جهيمان لم يهدأ لها بال

 

عبدالله العلمي

مع الساعات الأولى لبداية عام 1400 الموافق 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1979، تسلل 300 إرهابي بقيادة جهيمان العتيبي إلى الحرم المكي، أدخلوا الأسلحة إلى الحرم الشريف في توابيت الموتى التي كانت تدخل إلى باحة الحرم للصلاة عليها، أغلقوا أبواب الحرم، اغتالوا قدسية المكان، وقتلوا عشرات المسلمين.

تحصن الإرهابيون في منابر الحرم وبدأوا في اقتناص المسلمين في أكثر العمليات الإرهابية جبناً وكراهية للنفس البشرية. "الجهاد" من وجهة نظر جهيمان هو ذبح المصلين الآمنين. سفكت "صحوة" جهيمان دماء المسلمين دون اعتبار للدين على أعتاب بيت الله الحرام وتحت مآذن بيته العتيق.

ولد في ذلك اليوم أقبح مخلوق مسخٍ عرفه تاريخ السعودية الحديث اسمه الإرهاب باسم الدين.

اليوم وبعد مرور 30 عاماً على مداهمة الحرم الشريف، مازالت تهيمن في بعض مدارسنا وجامعاتنا وشرائح معينة في مجتمعنا مجموعات مشبوهة تحت مسميات مختلفة سلفية ويمينية وصحوية تعكس فكر المتشددين. مازالت بعض هذه الجماعات المتشددة تعارض قيام مؤسسات المجتمع المدني والجامعات العلمية وتعمل على تقويض النهضة الثقافية وتحارب المشروع الحضاري للملك عبدالله لتمكين المرأة وجعلها شريكاً في التنمية وصنع القرار.

وتوالت الأعمال الإرهابية، فشهد يوم 13 نوفمبر 1995 حدثاً غريباً، فقد فجر أربعة شبان سيارة بالقرب من مبنى سكني يقطنه خبراء أجانب يعملون لصالح مركز التدريب للحرس الوطني في حي العليا بالرياض. أما سكان الخبر فقد شاهدوا وسمعوا في 25 يونيو 1996 تفجير إرهابيين لشاحنة محملة بطنين من المتفجرات في مدخل مبنى سكني قتل فيها 19 أجنبياً وأصيب وجرح 386 آخرون.

ثم اشتد سعير الهجمات الإرهابية، فهزت ثلاثة انفجارات قوية شرق الرياض في هجمات نفذها إرهابيون قبل منتصف ليلة 12 مايو 2003، وأصدرت وزارة الداخلية بعدها بشهر واحد قائمة الإرهابيين الـ(19). حتى المدينة المنورة لم تسلم، فقد ألقت السلطات الأمنية بالمدينة في 27 يونيو 2003 القبض على ثلاثة عناصر من المشتبه بانتمائهم للقاعدة من المطلوبين أمنياً. كان ضمن هؤلاء علي الفقعسي الغامدي، المشتبه بكونه مهندس التفجيرات التي هزت العاصمة الرياض في الحادي عشر من ربيع أول من عام 2003.

في أواخر شهر أكتوبر 2003 بث التلفزيون السعودي اعترافاً من "الشيخ" علي الخضير والذي أعلن عن تراجعه عن الفتاوى التكفيرية. كم كنا نتمنى أن الشيوخ لم يستغلوا مواقعهم لتعبئة مئات الشباب "للجهاد" المزيف في وقت كنا بحاجة للحكماء من الشيوخ لتهدئة الأمور.

ثم وقعت الواقعة في الثامن من نوفمبر 2003 نفذ بضعة صبية ضالة تفجير مجمع المحيا السكني في الرياض الذي خلّف 17 قتيلاً و122 جريحاً. ثم جاء الاعتراف الثاني، وهذه المرة في آخر شهر نوفمبر 2003 من "الشيخ" ناصر الفهد حيث أعلن تراجعه عن فتاواه التكفيرية، ولكن بعد ماذا ياشيخ؟ وفي 6 ديسمبر 2003 أصدرت وزارة الداخلية السعودية قائمة الـ26 المطلوبين في قضايا إرهابية في السعودية.
وجاء الاعتراف الثالث في 10 ديسمبر 2003 من "الشيخ" أحمد الخالدي حيث تراجع هو الآخر عن فتاواه واعترف بارتكابه أخطاء. بعد اعترافات الخالدي بأربعة أشهر هز انفجار ضخم الرياض عند الساعة الثانية ظهر يوم 21 أبريل 2004 بمبنى الإدارة العامة للمرور وسط الرياض. وها هي قوات الأمن السعودية الباسلة تحبط صباح يوم السبت 1 مايو 2004 خمس عمليات إرهابية في مدينة ينبع أسفرت عن مصرع أربعة إرهابيين وإصابة نحو 25 شخصاً.

توغلت فئران الكراهية والشر بعد ذلك في المنطقة الشرقية، هجوم إرهابي جبان نفذه مسلحون في مجمعات سكنية بحي الراكة بالخبر صباح يوم 29 مايو 2004 أسفر عن مقتل أكثر من 19 شخصاً واستشهاد جندي سعودي، في 29 ديسمبر 2004، ثم إحباط اعتداءين إرهابيين فاشلين بسيارتين مفخختين استهدفا مبنى وزارة الداخلية بالمعذر.

تمكنت قوات الأمن الباسلة من قتل عدد من الإرهابيين، هكذا سقط أبناء الوطن في وحل القاعدة.

ثم انتقل الإرهاب إلى الرس، وفي صبيحة يوم 3 أبريل 2005 أنهت قوات الأمن بنجاح كبير عملياتها وحصارها لعدد من الإرهابيين في حي الجوازات بمحافظة الرس والتي استمرت ثلاثة أيام متتالية. وفي 24 فبراير 2006 تحولت وجهة الإرهابيين للأهداف الاقتصادية، اعتداء إجرامي على معامل بقيق الصناعية نتج عنه استشهاد رجلي أمن، الأول من آل مرة الكرام والثاني من وادي الدواسر الأفاضل، كما أصيب في الحادث 4 رجال أمن دافعوا ببسالة عن الوطن الغالي. أعلن تنظيم القاعدة بعدها عن مقتل الإرهابيين محمد الغيث وعبدالله التويجري المطلوبين على قائمة الـ 36 المشؤومة.
في فجر يوم الجمعة 23 يونيو 2006 قتلت قوات الأمن ستة من عناصر تنظيم "القاعدة" الإرهابي في المملكة في مواجهة أمنية في حي النخيل شمال الرياض. كتبتُ وقتها عن استشهاد الجندي البطل عبد الرحمن بن حسن الشهري وكيف توفى وبندقيته في يده وهو يدافع عن الوطن الغالي.

ثلاثون عاماً مضت على إرهاب جهيمان المظلم، لم تتوقف الهجمات الإرهابية ومازال البعض يحاول زج الوطن في متاهات إرهابية جديدة، بعض هذه المحاولات لبست قناع الصفة الدينية المتشددة وبعضها الآخر يريد فرض سلطته على خلق الله متذرعا بدرء المفاسد وإصلاح الأمة واتهام الناس بالفواحش وتحريم الأخضر واليابس بدون نصوص شرعية.

هذه الجماعات في حقيقة الأمر تلتقي فكرياً وتنظيمياً مع تنظيم "القاعدة" وهي أشد مكراً من إرهاب جهيمان، فلا تدعوها تخترق الوطن هذه المرة.

* نقلا عن "الوطن" السعودية

عودة للأعلى