حروب الفضائيات العربية لا تنقطع، منذ بدء إنشائها قبل 18 سنة في تسعينات القرن الماضي: من حروب داخلية، تروى على شكل آراء متعارضة صلبة وآراء حدية واتهامية على ساحات برامجها، من دون عناية حقيقية بتطوير وعي أو اكتشاف فكرة، وحروب خارجية بين وسائل الميديا المختلفة والمتنافسة على الجمهور العاطفي حيناً، وعلى المتصارعين حيناً، وعلى السياسات والأهداف حيناً آخر، لذا فعلى رغم أنها تبلغ الآن 1100 قناة تلفزيونية عربية، يعمل منها ما يقرب من النصف، ما بين قناة عامة ومشفرة وخاصة، وتنتظر البقية انتهاء طور إعدادها والانطلاق قريباً، إلا أنها أتت في الغالب بنتائج سلبية على وعي المواطن، وإن أثرت في أحيان كثيرة معلوماته.
كذلك لدينا ما يربو على 5016 صحيفة عربية، ما بين يومية وأسبوعية ومتخصصة، يلفها بشكل كبير الخطاب السجالي، بدرجة كبيرة في الصحف اليومية وخاصة القطرية والحزبية وبدرجة أقل في الأسبوعية والمتخصصة!
نرى أن ثمة فارقاً مهماً بين الجدلي والسجالي برأينا، فالجدلي تأسيس عقلاني لموقف أو رؤية فكرية أو سياسية، يستحضر انتقادات أو تحفظات المعارضين، محاولاً تعديلها، أما السجال فهو تأسيس اتهامي وانتصاري لذات الرؤية أو الفكر يسلب الآخر حقه في الاختلاف مباشرة أو بطريقة غير مباشرة، لذا يكون أشبه بالكلامولوجيا أو المبادئ الأيديولوجية الصارمة التي لا تقبل النقاش كما لا تحتمل الاختلاف.
إننا أمة يلفها السجال، وتتجاذبنا المحاور... تتجاذبنا الطوائف والأيديولوجيات، تتيه ثوابتها كما تتيه أهدافها في دوائر من غباره، وكل يستخدم حروب الكلامولوجيا السجالية حسب موقعه - أو موضعه - في ساحة الحرب الكلامية أو الفضائية العربية من دون سعي للإقناع أو استعداد للاقتناع!
وإذا ذهبنا مثلاً الى الفضائيات العربية، التي لا تزال الوسيلة الأكثر انتشاراً لدى الجماهير العربية، نجد أنها تضرب في جزئها الغالب على مواقع السجال العربي - العربي، حين تغذي شهوة الانتصار والغلبة بين الفرقاء، من الضيوف إلى المشاهدين، تحت عنوان دائم يمكن أن ندعوه «اخترنا لك فيلماً مثيراً هاهنا»، وليس كما يدعي أغلبها فتحاً للحوار أو الجدل من أجل التوافق أو تطوير المواقف، فالأسئلة مفتوحة دائماً على ساحات المعركة السجالية!
وإذا شئنا دلائل غير محرجة لها فلنسأل بالسلب كم مفكراً عربياً مرموقاً يستحق الاهتمام أو التقدير ظهر في فضائية عربية. وكم مرة انتهى حوار أو برنامج تلفزيوني من دون سجال أو اتهام، وكم مرة تبنت قناة فضائية قضية أو مشروعاً تنويرياً حقيقياً! وأين موضعة مسألة الثقافة والمعرفة النقدية في خطط برامجها؟ وعلى رغم تنافس القنوات الإخبارية على الخبر - المعلومة، التي تتاح بغير الصورة المتلفزة، إلا أن كثيراً من المعلومات والبرامج المبثوثة تأتي ملفوفة بمسوح السجال وأحياناً بشهوة التشفي، وسكر المتاهة التي تدعي الثبات، فتضرب الوطن من حيث تضرب الطائفة وتضرب المواطن حين تضرب التاريخ، وتضرب الحوار حين تقذف مبادئه ابتداء!
في خمسينات القرن الماضي كانت وزارات الإعلام تسمى وزارات الإرشاد القومي، وهو كان إرشاداً قومياً أي إعلاماً موجهاً من رعاة القوم، والآن اجتمع الدوران فصار الإعلام الجماهيري الموجه لوسائل الإعلام، أي ما يطلبه المستمعون بجوار ما يطلبه المالكون (71 في المئة من الفضائيات خاصة)، يمثل لهم الإعلام سلعة أكثر من كونه خدمة، وفي عرفهم أنه لا يغريه أكثر من أفلام الأكشن، التي يمثلها أبطال السجال على الشاشة، كما تنجذب المملوكة للحكومات الى المحاور العربية وأقطابها لتتكرس دوائر السجال. ربما قال البعض إن هذا مردوده للجمهور... للأمة التي يلفها السجال في كل جانب من جوانب حياتها، بدءاً من حروب الفتاوى حتى حروب الطوائف، لكن لا ينكر أحد أننا لسنا في حاجة الى مزيد من السجال، فنحن في حاجة الى مزيد من الفهم! في حاجة الى مزيد من التنوير!
فحين تتخلخل مقولة الوطن وتتفجر الهويات الفرعية مفجرة هوية الأصل، ويهتز تصور الدولة والمواطنة لدى الكثيرين، وتنطفئ الأضواء القليلة في السرداب الممتد، لا نعود في حاجة الى مزيد من السجال - المتاهة، ولكن في حاجة الى المزيد من الفهم! لسنا في حاجة الى مزيد من الاشتعال - نحن مشتعلون - ولكن في حاجة الى مزيد من الضوء!
والمؤسف أن كثيرين من الكتاب والباحثين أكلهم الإعلام ربما بسبب ضنك العيش أو شهوة الشهرة أو غير ذلك، فصاروا متابعين للأخبار مستعدين في ثكناتهم الى ان يتم استدعاؤهم للحرب فيخرجون، محددين جبهتهم وكتيبتهم التي يحاربون فيها أو من أجلها، انتشاء بظهور المحارب في ساحات فضائياتنا!
وفي الاتجاه نفسه صرنا نعرف كتاباً لا يكتبون إلا على طبول الحروب الكلامية، كما يتعمق حضور البعض الآخر بقدر تبعيتهم لمواقف معينة، أو لكونهم جزءاً من معركة بين منبر وآخر، يكسبها من يدفع لهم أكثر، من دون تحقيق فعلي لمدى جودتهم شأنهم شأن أي سلعة!
* نقلا عن "الحياة" اللندينة