الخميس 12 ربيع الثاني 1432هـ - 17 مارس2011م
 
F C www.weather.com
c°
.
.
تفاصيل | تغيير المدينة
الرطوبة .
الرؤية .
الضغط الجوي .
حالة الضغط .
سرعة الرياح .
اتجاه الرياح .
شروق الشمس .
غروب الشمس .
اليوم
العليا °. الدنيا °.
غداً
العليا °. الدنيا °.
www.weather.com
يرجى كتابة اسم المدينة التي تود الحصول على بيانات حالة الطقس الخاصة بها باللغة الإنكليزية
آخر تحديث: الأربعاء 26 ذو القعدة 1431هـ - 03 نوفمبر 2010م KSA 13:11 - GMT 10:11

موت أوباما وإشكالية الدين السياسي الأمريكي

الثلاثاء 07 ذو الحجة 1430هـ - 24 نوفمبر 2009م
إميل أمين
إميل أمين

في الأيام القليلة المنصرمة جاءت الأخبار من واشنطن روما العصر مالئة الدنيا وشاغلة الناس تفيد بأن دعوات دينية بدأت تنطلق بالدعاء السلبي ضد الرئيس باراك أوباما وتمثل في مجموعها حالة من حالات الرفض لاتجاهاته شبه اليسارية كما يراها المعتدلون من اليمين الديني.

آخر تلك الدعوات التي أطلقت ضد أوباما جاءت على لسان القس البروتستانتي “ستيفن أندرسون” راعي “الكنيسة المعمدانية في مدينة فونيكس بولاية أريزونا الأمريكية والتي فيها “تمنى أن يضرب الرب الرئيس أوباما بسرطان المخ كي يموت مثل السيناتور تيد كيندي، وتطلع إلى أن يحدث ذلك اليوم، أي بسرعة لا تنتظر الغد”.

ولعل هذا المشهد اليميني المتصاعد الرافض للسياسة الوسطية والتسامحية والتي يحاول أوباما بسطها حول العالم يدفعنا للتساؤل: ما هو مستقبل رؤى وسياسات أوباما طالما بقي التماس بين الدين والسياسة وبخاصة بين التيارات اليمينية المتطرفة داخل أمريكا والرأي العام كالخطيئة الرابضة خلف الباب تتشوق لأن تتسيد على حاكم البيت الأبيض موتاً وناراً ودماراً كما في الدعاء السلبي للقس أندرسون؟

الثابت أن رؤساء أمريكا بدءاً من جورج واشنطن فصاعداً كانوا قد اعتمدوا على الحس الديني ليس للتأثير في عقول أبناء الشعب فحسب، بل في أفئدتهم أيضاً لتأييد الأهداف الرئاسية، وقد تم في الفترة الاستعمارية والفترات التالية جلب الآلاف من الأفارقة السود إلى الولايات المتحدة كعبيد تحت مبررات دينية واهية تبيح العبودية.

ومعنى ذلك أن الدين والسياسة شكلا نسيجاً متداخلاً عبر تاريخ الولايات المتحدة منذ الفترة الاستعمارية وحتى وقتنا الحاضر، ولعب الدين إلى جانب عوامل أخرى دوراً مؤثراً في سلوكيات الناخبين عبر التاريخ، فعلى سبيل المثال يتجه اليهود والكاثوليك لانتخاب المرشحين الديمقراطيين أكثر من المرشحين البروتستانت، وقد أثر الدين أيضاً في طريقة عرض المرشحين والمسؤولين المنتخبين لقضاياهم على عامة الناخبين.

وفي بعض الأحيان يستخدم رجال السياسة الدين للحصول على التأييد اللازم لمآربهم الشخصية، فالسياسيون الذين يحرصون على كسب تأييد الأمريكيين السود كثيراً ما يبدون ولاءهم لكنائس السود.

والعلاقة بين الحزب الجمهوري والجماعات الدينية المحافظة هي كذلك أمر معروف بالإضافة إلى اهتمام كل من الدين والسياسة بالقيم والسلطة فإنهما غالبا ما يتداخلان في المجتمع ولكن الأفراد يختلفون في آرائهم حول نوع العلاقة التي يجب أن تربط بينهما وحول ماهية الرابطة التي تربطهما.

لكن التأثيرات الدينية في السياسة الأمريكية لم تظهر بين عشية وضحاها، فهناك جذور تعود إلى زمن نشوء المستعمرات الأمريكية ذاتها والتي جاء إليها المهاجرون الأوائل من أوروبا وعرفوا باسم جماعة البيوريتانيين، أي الانقياء المتطهرين من أدران وخطايا أوروبا، جاؤوا إلى العالم الجديد وهم يعتقدون أنهم شعب الرب المختار المكلف برسالة ما، والعالم الجديد هو “إسرائيل” الجديدة والعالم القديم هو مصر.

لقد عقد البيوريتانيون عهداً مع الرب -حسب ادعائهم- ومع بعضهم بعضاً ببناء مجتمع يقوم على أساس القانون الإلهي، فكان لابد لهم أن يكونوا بمثابة مدينة تقف أعلى التل، أي مدينة فاضلة تكون محط أنظار العالم أجمع. واليوم يعتقد الكثيرون في الولايات المتحدة أن الدولة مكلفة بمهمة خاصة ويتعين عليها أن تكون مثالاً يحتذى به في العالم أجمع، ويشعر كثير من الأمريكيين بأن الولايات المتحدة هي الأرض المختارة التي أسبغ الرب عليها نعمته.

وباختصار غير مخل يمكننا القول إن الدين لعب ولا يزال دوراً مهماً في التطور الاستعماري لهذه البلاد، وقد استمرت آثار هذا الدور في التأثير في الروابط الدينية بالدوافع الاقتصادية في إقامة الكثير من المستعمرات الأولى، سيطر الفكر البيوريتاني على شكل الدين في المستعمرات الأولى، فبعض مظاهره مثل فكرة العهد ورؤية الطبيعة البشرية وجدت طريقها إلى الثقافة السياسية الأمريكية وحينما خبت سيادة المذهب البيوريتاني الذي جنح نسبياً إلى التطهير ظهرت حركتان دينيتان أخريان هما: الصحوة الكبرى والدين العقلاني، وقد وجدت الحركتان بشكل مؤقت قوتيهما لدعم الثورة الأمريكية وبالتالي أثرتا بطرق مختلفة في التطور السياسي الأمريكي.

ويبقى التساؤل: هل كان المؤسسون الأوائل للولايات المتحدة مسيحيين صدقوا على تأسيس حكومة تؤيد وتشجع المسيحية من دون تعصب؟ أم لم يكن مؤسسو الولايات المتحدة مسيحيين وكان هدفهم إقامة دولة وحكومة علمانية يفصلها حائط عن المؤسسات الدينية؟

عند مايكل كوربت وجوليا ميتشل كوربت في كتابهما القيم “الدين والسياسة في الولايات المتحدة” أنه لا يمكن حل إشكالية أهداف المؤسسين الأوائل ببساطة، فكل من وجهتي النظر المتصارعتين والمعروضتين صحيحة إلى حد ما، وكلتاهما مخطئة أيضاً إلى حد ما، وأنه لا يوجد منظور واحد يتفق عليه سائر العلماء، فهناك من التعقيد والغموض حول حقيقة تأسيس الولايات المتحدة ما يكفي لجعل مختلف العلماء في سعيهم الحثيث لوصف أهداف المؤسسين الأوائل بصدق يتوصلون إلى نتائج مختلفة.

وفي كل الأحوال يمكن أن تجادل بأن وجود الدين في الميدان السياسي له تأثيرات عكسية في أسلوب النقاش السياسي ويسهم الدين في وجود التطرف وعدم التسامح والتعصب وعدم الرغبة في الحلول الوسط. وعموماً ينسف أسلوب الهدوء والتعقل الذي يتطلبه النقاش السياسي لكي يدار به الحديث وتتخذ فيه القرارات السياسية وعندما يدخل الدين إلى ميدان السياسة فإنه قد يصبح متأكداً جداً أنه على حق.
والمقطوع به أن الخبرة الأليمة التي عاشتها الولايات المتحدة في زمن الرئيس بوش دعت الكثيرين من أصحاب القرار ومن صناع الأفكار إلى التنبه لمخاطر الخلط العمدي بين الدين بمطلقاته والسياسة بنسبياتها، ويبدو أن هذا تجلّى بشكل عملي وفعال وفي نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي قادت إلى انتخاب الرئيس باراك أوباما.

لكن الخوف كل الخوف من أن نرى ردة فكرية ثانية لجهة التيارات اليمينية الدينية وبخاصة إذا ما أخفق أوباما في الوصول إلى غاياته السياسية التي وعد بها وعلى رأسها التغيير في صورة أمريكا التي شوهتها سياسات اليمين الأصولي الذي استعلن الحقائق الإيمانية كمسلمات دنيوية مطلقة يجب العمل على نهجها والسير في دربها. وكانت صيحة بوش “من ليس معنا فهو ضدنا” قمة التجليات السلبية إن جاز التعبير في زمن خلط ما هو سياسي إنساني بما هو ديني إلهي، ومن هنا كانت الكارثة الكبرى والتي لا تزال تدفع أمريكا والعالم ثمنها من أمنهما وأمانهما حتى الساعة وإلى أجل غير معلوم.


نقلا عن "الخليج" الإماراتية