طبـاعةحفـظارسالBookmark and Shareمشاركة
الثلاثاء 07 ذو الحجة 1430هـ - 24 نوفمبر 2009م

زمن التيه العراقي!

 

يوسف الكويليت

عجز الحزب الشيوعي الروسي عن أن يعيد نفسه حاكماً وحزباً رئيسياً بعد انتهاء الاتحاد السوفياتي، رغم رحلة الانتقال من نظام شمولي إلى شبه ديمقراطي، وحالة الفساد واللايقين في النظام الجديد، لأن الرحلة جاءت، إلى حد ما، سلمية، وفي العراق أزال الاحتلال كل الواجهات لحزب البعث بما في ذلك حلّ الجيش والأمن، وتسريح الموظفين التابعين للسلطة الماضية، وهو ما اعتبره العديد من المحللين والمراقبين السياسيين الثغرة الكبيرة التي أطلت منها حروب الطوائف وتمزق القاعدة الوطنية، وما قيل عن تحالف بعثي مع القاعدة وهو ماضرب بكل قوة داخل مفاصل المواقع الحساسة..

في حالات الانقسامات القائمة هناك آراء تقول باجتثاث البعث دون تحديد، وأخرى ترى أن التعميم خطأ لأن بعض المنتسبين للحزب كانوا يدرأون البطش بالانتساب إليه، ورأي ثالث يحذر منهم، وفقاً للشعور داخل السلطة بأن تنامي قوتهم داخل الخلايا الشعبية بما فيها الشيعة والأكراد وغيرهما بدأت ظواهره قائمة، حتى إن من بين الفاعلين في الأمن والجيش ممن كانوا أعضاء فيه، لا زالوا يديرون تلك المؤسسات مما ينذر بقيام انقلاب لصالحهم، وهي مبالغات ربما جاءت من خلفية الصور المتراكمة لتكون إنذاراً لحالات الانشقاقات التي طالت الطوائف والأحزاب معاً بسبب ضعف الأمن والفساد، والتهجير والخطف وغيرها..

هذه الأحوال المعقدة، والتي عجزت أمريكا عن أن تتجاوزها مع الحكومة، أو المحاور التي حاولت إضفاء الشرعية عليها كالشيعة، والصحوات التي نجحت في مقاومة القاعدة، وطردها من بعض المواقع الحساسة، هل تجبرها حالة التردي الأمني على فتح قنوات حوار مع البعثيين أسوة بما تفعله مع إيران وكوريا الشمالية، وطالبان أفغانستان لإجبار الفرقاء لأنْ يدركوا أن البعثيين هم جزء من تكوين القوى المتحركة والفاعلة في العراق؟

تشرشل الزعيم البريطاني له مقولة شهيرة أثناء الحرب العالمية الثانية بأنه مستعد للتعاون مع الشيطان إذا كان ذلك يخدم المصالح البريطانية، والمثل يتطابق مع أمريكا في إنهاء حرب فيتنام عندما اضطرت للحوار بدلاً من الحرب، وكذلك فرنسا مع الجزائر وغيرها، وهذا يفترض أن يحدث بين التشكيلات المؤثرة في العراق، إذا ما أرادت تلك الفئات أن تنهج سيرة زعيم جنوب أفريقيا (مانديلا) عندما عفا عن ساجنيه من أصحاب الفصل العنصري من البيض واعتبارهم مواطنين متساوين مع السود ليسد أهم ثغرة يمكن أن تفجر الحروب، والانقسامات..

العراق يحتاج إلى مراعاة الاتجاهات الشعبية ومتطلباتها الضرورية، وحسم أمور الطائفية والفساد، وتوظيف عوائد النفط الهائلة في بنية أساسية وإعادة المهجّرين حتى لا تظل تلك الأعداد الكبيرة مراكز استقطاب للبعث أو الطوائف، أو الفاعلين من داخل العراق مثل إيران والقوى الدولية المحتلة..

الاعتماد على أمريكا، وهم، لأنها وقعت في خطأ تريد تصحيحه، وهي لا تمانع أن تتصل بالبعثيين، وتعقد صفقة مع إيران، وتحاور سورية إذا ماوجدت أن خلاصها يأتي من حلول لا تضاعف عليها الخسائر، وقد يكون هذا أمراً ضرورياً لها في حالة عراق منقسم وغير آمن..

نقلا عن "الرياض" السعودية

عودة للأعلى