يعم الغليان في هذه الأيام الشارع السويسري بسبب الإعداد لإجراء استفتاء غريب وعجيب. لقد جادت قريحة الحزب الشعبي السويسري اليميني الشعبوي بفكرة لم يسبق أن خطرت ببال أي حزب متطرف في أوروبا، فعمد إلى جمع 110 آلاف توقيع ليتمكن من تجاوز العتبة التي تسمح بإجراء استفتاء شعبي حول إزالة مآذن المساجد في سويسرا.
الغريب في هذه الفكرة هي أن الحزب صاحب المبادرة تعامل مع مآذن الجوامع كما لو أنها كانت مشكلة حقيقية رغم أنها لم تُشيد إلا للزينة، لأن الأذان لا يرفع فيها، وليست فيها مكبرات للصوت احتراما للقانون الجاري به العمل في دول الاتحاد الأوروبي، وهو القانون الذي لم يثبت أن أحداً خرقه في يوم من الأيام. وأغرب من هذا وذاك أنه لا توجد في سويسرا كلها إلا أربع مآذن فقط، لأن أغلب المساجد الموجودة في هذا البلد هي مخازن أو مصانع قديمة توجد في أحياء صناعية بعيدة عن الأحياء السكنية ولا مآذن لها.
اندلعت هذه الأزمة عندما وافقت بلدية لانجنتهال على مشروع بناء مسجد له مئذنة يبلغ طولها ستة أمتار. المشروع تقدم به مجموعة من المواطنين من أصول بلقانية عندما رأوا كيف شيد السيخ معبداً فاخراً سنة 2006 دون أن تُثار أية ضجة. لكن ما لم يكن في الحسبان هو أن ينبري الحزب الشعبي صاحب الأغلبية في البرلمان السويسري لهذا المشروع بتنظيم مظاهرات رفعت خلالها أعلام سويسرية تتوسطها ست مآذن وتتقدمها امرأة منقبة. وقد ذهب أولريش سشلووير منسق الحملة إلى أن المآذن في الحملة ليست سوى رمز يشير إلى خطر أسلمة البلد! أي أن مسلمي سويسرا الذين لا يتجاوز عددهم 410 ألف نسمة ويصلون في مخازن ومصانع قديمة ولا وجود لهم يذكر في مؤسسات الدولة قادرون على تغيير الخريطة الدينية لبلد مثل سويسرا!
الحملة التي يقودها الحزب الشعبي السويسري تقوم على المغالطات وتخويف المواطنين من شبح لا وجود له. عندما يتوجه أصحاب هذه الحملة إلى مواطن من أجل طلب صوته في هذا الاستفتاء يسألونه عما إذا كان يريد أن تُقطع يده، أما إذا كانت مواطنة فيذكرونها بأن الرجم يتهددها.
المشكلة الآن تتجاوز هذه الحملة العنصرية، لأنه يُخشى أن تتأجج العواطف وتقود إلى ردة فعل شبيهة بما وقع أيام الرسوم المسيئة في الدنمارك. وسيكون أكبر خطأ ترتكبه الجالية المسلمة في سويسرا في هذه الأيام الصعبة هو القيام بردة فعل على هذه المبادرة، لأن من ضمن أهداف الدعوة إلى هذا الاستفتاء هو جرّ الجالية المسلمة إلى الرد بطريقة غير لائقة، وليس هناك أسهل من استدراج المندفعين من المسلمين إلى مستنقع العنف لأن الشعور بالاستهداف يلازم مسلمي الغرب منذ أن ظهرت نتائج اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر وغيرها من أعمال العنف على أرض الواقع. أصبح مسلمو الغرب يشعرون وكأنهم عبء ثقيل على المجتمعات التي يعيشون داخلها إلى درجة أنهم باتوا مهووسين بالصورة التي كوّنها عنهم الآخر ووصل الشعور بالضيق عند بعضهم إلى تبرير الالتزام بأداء الصلاة والصوم!
بطبيعة الحال كلمة واحدة تكفي لإقناع الناس بأن المسلمين الذين يعيشون في المجتمعات الغربية في أمن وسلام منذ سنين طويلة لا دخل لهم في الجرائم التي تقترفها فئة صغيرة، لكن ليس من مصلحة بعض الأحزاب التي تصطاد في الماء العكر أن تقرّ بهذا الأمر الواضح وضوح الشمس في كبد السماء، لأنها تحتاج إلى الخوف من أجل كسب مزيد من الأصوات. لقد أصبح مسلمو الغرب يترحمون على الأيام التي كانوا فيها في الهامش تماما، لأنهم لم يكونوا موضوع الحملات الانتخابية ولم يكن يستعملهم أحد في أي اتجاه من الاتجاهات.
تسليط الضوء على جالية ضعيفة ومتشرذمة بهذه الطريقة الوحشية حال دون اندماج شرائح واسعة في المجتمعات التي تعيش فيها. ومما زاد الطين بلة أن الجالية المثخنة بالجراح لا تسلم أبداً من الصراعات الداخلية التي تحكمها المصالح الشخصية ناهيك عن تدخل بعض الأنظمة العربية عن طريق سفاراتها لمحاولة للسيطرة على الجاليات الإسلامية وتوجيهها. هذا الوضع نجم عنه غياب قيادات حقيقية قادرة على أن تكون هي المحاور الأساسي لمختلف الحكومات الأوروبية ولهياكل الاتحاد الأوروبي.
ما نراه اليوم من مشاكل عند مسلمي الغرب ما هو إلا نتاج سنوات طويلة من التطاحن الداخلي والتخلف والجهل المستوردين من الدول الأصلية للمهاجرين ومن البحث عن الجاه والمال على حساب مصالح أقلية ضعيفة مغلوبة على أمرها.
لقد حان الوقت لتنحي العرب الوافدين عن مراكز القيادة رغم حبهم المرضي للظهور والاستئثار بالمناصب على تواضعها، وفسح المجال للأوروبيين المسلمين سواء تعلق الأمر بالجيل الثاني والثالث أو بمعتنقي الإسلام لتسلم زمام الأمر وفتح قنوات الحوار السلس والبناء مع الحكومات الأوروبية، لضمان تعايش أفضل بين المسلمين والأوروبيين وقطع الطريق على هذا النوع من الحملات التي قد تكون هدامة على المدى القريب.
مهما كانت نتائج استفتاء الأحد المقبل يجب على مسلمي سويسرا التزام الهدوء لأن القضية أكبر بكثير من مآذن أريد لها أن تكون مزعجة.
نقلا عن "العرب" القطرية