اليوم نحن نعيش مرحلة ما يسمى بـ"الفورة النفطية الثالثة" والتي بدأت منذ أكثر من ثلاثة أعوام، وتتوقع مؤسسات الاختصاص الدولية استمرارها لسنوات عدة (رغم الأزمة المالية الطارئة) لارتباطها بعملية النمو الحاصلة في بعض الاقتصاديات الصاعدة وبالتالي تضاعف الطلب على النفط، فضلا عن نضوب النفط في الكثير من مواقع الاستخراج العالمية بالرغم من الاكتشافات الكبيرة نسبيا في آسيا الوسطى وإفريقيا، وفي ضوء ماسبق من الآثار المتوقعة للثروة النفطية. وأي شكل سيكون عليه النظام الاجتماعي العربي الجديد ؟
بداية لابد من تحديد قضية مهمة في هذا الإطار وهي المتغيرات الاقتصادية المتسارعة التي حصلت في العالم في العقدين الآخرين، والتي كان من نتيجتها بزوغ الاقتصاد المعولم القائم على نظم إنتاج وتمويل واستهلاك جديدة، وفي ظل ذلك عمدت العولمة ومن منطلق سياسات الليبرالية الجديدة إلى خلق شرائح وفئات وطبقات رأسمالية وأخرى وسطى معولمه متعدية الجنسية ذات أنشطة ومصالح تقع على أرضية جديدة.
وقد ترافقت هذه التطورات مع تحول أنماط الإنتاج إلى ما يسميه علماء الاقتصاد بـ(الاقتصاد المعرفي المعولم)، الذي أدى بدوره إلى ظهور نشاطات اقتصادية تديرها كوادر مهنية وإدارية، داعية لقيم العصر ومفرداته ذات مهارات شخصية عالية تتقن اللغات والتعامل مع الكمبيوتر ويسميهم (جيرمي ريفيكين) في كتابه (نهاية عهد الوظيفية: انحسار قوة العمل العالمية وبزوغ حقبة ما بعد السوق) بـ"عمال المعرفة".
وقد استطاعت هذه النخب الحصول على اكبر نصيب من مداخيل العمل بل أنهم على مايلفت (سن لينج وو) ساعدت هذه النخب على تحويل صورة مدنها التقليدية لتتلاءم مع سماتها وخصائصها المتمثلة في خلفياتها التعليمية العليا، ومعارفها ومهاراتها المهنية المتخصصة ودخولها المادية المرتفعة، ومن ثم ارتباط مظاهر النزعة الاستهلاكية الجديدة في هذه المدن باحتياجاتها وتطلعاتها؛ ويضرب مثلا على ذلك مدينة شنغهاي الصينية.
وتنطبق هذه الظاهرة على الكثير من المدن العربية ـ دبي عمان بيروت المنامة، والقاهرة الى حد ما ـ وغيرها من المدن الأخرى وبشكل أوضح تبدو منطقة الخليج العربي مثالا صارخا على ذلك فالمؤكد إن هذه المنطقة استفادت من الفورتين النفطيتين، الأولى والثانية، في تجهيز البنية التحتية والعمران الأساسي، والتي احتاجت إلى عمالة كثيفة وكانت في الغالب من البلدان العربية، وبدأت دول الخليج النفطية في الانطلاق نحو بنية اقتصادية مختلفة تحتاج معها إلى جهود الفئات التي سبق ذكرها.
وفي البلدان العربية فان الظروف الاقتصادية وانتشار الفساد وسوء التخطيط كلها عوامل لم تسمح بتأهيل العمالة العربية بما يتناسب والتطورات الحاصلة في واقع الاقتصاد العالمي، فتحول الجزء الأكبر من هذه العمالة للعمل في مجالين محددين : الاقتصاد الرسمي الذي يتميز بالبيروقراطية الشديدة والترهل وضعف الإنتاجية، والاقتصاد الهامشي الذي ينحصر إما في الأعمال المتدنية تقنيا وإنتاجيا، آو الأعمال الخطيرة والمخالفة قانونيا كالمهربات بكافة أنواعها، الأمر الذي يعني حرمان هذه الفئات من إمكانية المساهمة في النشاطات الاقتصادية الحديثة وبالتالي عدم الاستفادة مما تتيحه عوائد الفورة النفطية العربية.
بعكس الفورتين النفطيتين الأولى والثانية، واللتين انعكستا عمرانا وتعليما في أرياف ومدن مصر وسورية والأردن ولبنان والسودان، فان الفورة النفطية الثالثة ستحيل متوسطي حال الأمس إلى، (سكان فائضين عن الحاجة) لن يمكنهم العيش إلا من خلال الإحسان والتبرعات وأعمال الخير على مايقول (هانسن بيتر مارتين وهارالد شومان) في فخ العولمة.
*نقلا عن "المستقبل" اللبنانية