طبـاعةحفـظارسالBookmark and Shareمشاركة
السبت 11 ذو الحجة 1430هـ - 28 نوفمبر 2009م

"سايكس – بيكو" بكينا منه فهل نبكي عليه؟

 

د.  عصام نعمان

الأمة في أسوأ حال. تنحدر في المكان والمكانة وكل مناحي الحياة ولا تكفّ عن الانحدار... أين القرار؟

يشتبك مصريوها وجزائريوها بالحناجر والأيدي في ثلاث مناسبات رياضية، فتتجرح نفوس وأبدان وتهون كرامات وتسيل دماء.

نلقي تبعة ما جرى على مسؤولين من هنا وهناك، ونتهمهم باستثارة الناس سعياً وراء شعبية عزّت عليهم في ميادين السياسة.

أو نشير بأصابع الاتهام إلى جهات أجنبية دينها وديدنها التلفيق والتمزيق والتفريق كي تسود وتقود، وهذا صحيح أيضاً.

لكن، هل كان للمسؤولين والأجانب الطامعين أن ينالوا ما ابتغوا ويبتغون لولا غفلة في المحكومين وجهل وجهالة تحاكي جاهلية الأسلاف الغابرين؟

يقولون: كما تكونون يُولىّ عليكم، وهذا صحيح. وصحيح أيضاً إنه كما يُولىّ عليكم تكونون. معنى ذلك أن العيب فينا حتى عندما يكون مصدره سوانا. فنحن، في الحالين، أداة الخطأ والخطيئة والضحية بامتياز.

يقولون: مصدر الشرور في تاريخنا السياسي المعاصر اتفاق سايكس بيكو سنة 1916 بين البريطانيين والفرنسيين الذين تواطؤوا على “حلفائهم” العرب، شركائهم في محاربة الأتراك العثمانيين، فتوزعوا في ما بينهم ارث بني عثمان في بلاد الشام وبلاد الرافدين، ورسموا خرائط لممالك ودويلات، وخططوا لزرع “وطن قومي” لليهود الصهاينة قبل ذريعة “الهولوكوست” بأكثر من عقدين، ثم نكثوا بعهودهم مع أمراء العرب الغافلين، وساعدوا الصهاينة على إقامة كيانهم الموعود، ووضعوا أيديهم على منابع النفط واستخرجوا ثرواتها ونهبوا عائداتها، وأقاموا قواعد عسكرية وأحلافاً اقليمية، وحكموا وتحكّموا بواسطة وكلاء محليين.

مصدر الشرور، سايكس- بيكو، آل ميراثه إلينا بعد الحرب العالمية الثانية، فتقبلناه على مضض ونعتاه ب”وضع التجزئة” وتعاهدنا في ما بيننا على تجاوزه بإقامة دولة وحدة أو اتحاد، فماذا كانت النتيجة؟

تعاون الوكلاء الحاكمون مع مورثيهم من الأجانب المتحكمين فرسّخوا وضع التجزئة وجعلوا من خطوط القسمة والتقسيم حدوداً وطنية، ينافحون عنها بالمهج والأرواح، وتوزّعوا مع أولياء شركات النفط العوائدَ والمغانم، فكانت للأولياء حصة الأسد ولهم فتات الأيتام على موائد اللئام.

زعموا أنهم في ما كانوا عليه وقاموا به مغلوبون على أمرهم، وأن القرار كان للأجنبي القوي المتحكم. صحيح أن بعضاً من الحاكمين كان محكوماً ومغلوباً على أمره، غير أن بعضهم الآخر تمكّن بالحيلة والاقتدار من أن يصبح حاكماً متحكماً، فبسط سلطته على المحكومين وما عاملهم بأحسن ما عاملهم وتعامل معهم وبهم الأسلاف من الوكلاء المتحكمين. ذلك كله أدى، في غمرة تدخلات القوى الأجنبية المستغلة والمهيمنة، الى مزيد من الشيء نفسه: ركود وتشرذم وترهل خُلُقي ومادي واستغلال واحتكار وتفقير وإذلال.

حتى ميراث سايكس-بيكو لم ينجُ من الامتهان والتبديد. فقد ورث اللبنانيون والسوريون عن سلطات الانتداب الفرنسي ما كان يسمّى “المصالح المشتركة” التي كان بموجبها الكثير من المؤسسات المالية والاقتصادية والخدمية واحدةً موحدة. كانت العملة (النقد) وبنك الإصدار والجمارك وخدمات البريد والبرق والهاتف واحدة في سوريا ولبنان، وبقيت على هذا الوضع، بعد الاستقلال، اكثر من ثماني سنوات. ثم ما لبث “الحكمان الوطنيان” في كلا القطرين أن اختارا بدم بارد القطيعة الاقتصادية، فتقاسما المصالح المشتركة الآنفة الذكر بفصل شطرها السوري عن شطرها اللبناني ليكتمل بذلك “استقلال” البلدين ليس عن فرنسا بل عن بعضهما بعضاً!

أليست ظاهرة تاريخية مميزة أن تتوحد مؤسسات العرب في ظل الاحتلال وان تنفصل في ظل الاستقلال؟

لا تتوقف تلك الظاهرة عند حدود قطيعة اقتصادية في مطالع خمسينات القرن الماضي بل تمتد الى مطالع القرن الحالي. فقد كان القطران الشقيقان قد توصلا عقب اتفاق الوفاق الوطني في الطائف إلى إقرار معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق سنة ،1991 وأقاما بموجبها المجلس الأعلى السوري اللبناني ومجموعة من الاتفاقات الاقتصادية والمائية، فماذا كانت النتيجة؟

لم تراعَ أحكام المعاهدة، حتى اذا وقعت القطيعة السياسية بين البلدين عقب اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، أخذ مسؤولون في لبنان يطالبون بإعادة النظر بالمعاهدة المذكورة في سياق حال من التشنج السياسي والعصبية الطائفية.

هل يأتي يوم نترحم فيه على “سايكس- بيكو” بعدما بكينا منه دهراً ؟

ميراث سايكس بيكو في العراق ليس أحسن حالاً من نظيره في لبنان. اذا كانت ملابسات الحروب التي اكتسحت بلاد الرافدين مع ايران والكويت والولايات المتحدة قد أدت الى تنازل حكومة بغداد عن معاهدة 1975 مع ايران وبالتالي عن حقوق لها في شط العرب، فإن الصراعات السياسية المستجدة بعد الاحتلال الأمريكي وخلاله تُنذر بتقسيم العراق إلى دويلات ثلاث على أساس عرقي وقبلي ومذهبي.

خطر التقسيم يهدد أيضاً اليمن غير السعيد بالحرب مع الحوثيين في الشمال ومع المعارضة المتمردة في الجنوب. كذلك الأمر في السودان، إذ يرافق الانتخابات القادمة أو يعقبها حركة انشقاقية قد تؤدي الى انفصال جنوب البلاد عن شمالها، ناهيك عن الاضطرابات الناشطة في شرقها (دارفور) وما تختزنه أيضاً من نوازع انفصالية عند بعض الفئات السياسية المتعاونة مع فرنسا وأمريكا. إلى ذلك، تعود مشكلة الصحراء الغربية إلى تعكير أجواء المغرب مع ما تختزنه من نوازع “استقلالية” قديمة تجد في أوروبا من يعطف عليها بالدعم السياسي والمادي.

حال الأمة تتطور، كما نرى، من الترهل والتشرذم الى التفكك والتفتت حيال تحديات متعاظمة، سياسية واقتصادية واجتماعية، وفي غمرة أزمة نفسية مستعصية من الحبوط والقنوط تقود الى كراهية الذات والى الانحدار، ولا أقول الانتحار.

كل ذلك وسط حركة نهوض متسارع في بيئة جغرافية وسياسية تضيق بثلاثة لاعبين اقليميين كبار، ايران وتركيا و”إسرائيل”، فإلى أين من هنا؟

سؤال موجّه، بالدرجة الأولى، إلى أهل النخبة الملتزمة قضية الأمة وقضية النهضة. لقد حاول الأسلاف من أهل النخبة ثلاث مرات، منذ منتصف القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين، إطلاق النهضة المنشودة دونما جدوى.

لعل الجواب عن هذا السؤال يبدأ بطرح ثلاثة أسئلة مفتاحية والإجابة عنها: لماذا اخفقت النهضات الثلاث؟ ما الشروط اللازمة والملزمة لنهضة رابعة؟ ما القوى السياسية والاجتماعية القادرة والمسؤولة عن القيام بأعباء النهضة الجديدة المتوخاة؟

*نقلا عن "الخليج" الإماراتية

عودة للأعلى