الثلاثاء 28 ذو الحجة 1430هـ - 15 ديسمبر 2009م

من دون مآذن... ولمَ لا؟

 

محمد بن سعود الملفي

ألا تُقبل صلاة المسلم في مسجد لا مئذنة له، وألا تصح تسميته مسجدا.. أم إن الحسنات في وجود المئذنة، أكثر منها من دونها؟

وجدت هذه التساؤلات بارزة أمامي حين رأيت حجم ما أثير في الأيام الماضية حول منع بناء مآذن للمساجد في سويسرا بعد استفتاء شعبي صوّت بالموافقة عليه أكثر من نصف السويسريون، على الرغم من رفض الحكومة والبرلمان السويسريين لمخالفة هذا الاستفتاء للدستور الذي ينص على احترام الرأي وحرية المعتقد. وما ورد في سياق هذه الإثارة من دعوات للمقاطعة وسحب الأرصدة العربية والإسلامية من مصارف جنيف، ما دفع وزيرا تركيا لاستثمار هذه الموجة، والدعوة لاستبدال البنوك السويسرية بنظيراتها التركية!

لماذا لا يؤخذ بعين الاعتبار الآن الدور الذي يبذله الاتحاد الأوروبي منذ مطلع العام الجاري، حين أخذ يتجرأ، وبطريقة مختلفة تماماً عن السابق، على الكيان الصهيوني ويدخل معه في تجاذبات شديدة الحساسية بالنسبة إلى إسرائيل، على غرار الرفض الأوروبي لسياسة الاستيطان والاستعداد الأوروبي للاعتراف بالقدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية عند قيامها، والاستعداد أيضاً للاعتراف بهذه الدولة، وللجهود الرامية إلى سرعة إعلان قيامها.

وعلى صعيد الإعلام الأوروبي، نشرت مجلة سويدية تحقيقا قبل أشهر عدة أقام الإسرائيليون الدنيا عليه ولم يقعدوها، وقد أكد التحقيق أن إسرائيل تتاجر بأحشاء الفلسطينيين، ما يفسر أنه ثورة محايدة في الإعلام الأوروبي على غير عادته المنحازة في أغلب الأوقات الماضية.

في مقابل هذا، نحن نرفض، في الغالب طبعا، ممارساتهم الدينية في بلداننا، ولو استطعنا حصر تعداد المساجد في أوروبا، ومقارنتها بتعداد الكنائس في البلدان العربية، لوجدنا أن الفارق كبير لجهة تعداد المساجد في أوروبا!

المئذنة برج يرمز لفن العمارة الإسلامية، ولم تكن موجودة إبان عهد الرسول محمد، بداية انطلاق الدعوة الإسلامية، ويقول مؤرخون كثر في هذا المجال إنها لم توجد إلا في عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبدالملك، أي بعد أكثر من ثمانين عاماً من الهجرة النبوية. ولا تعتبر المئذنة جزءا من العبادة ليكون وجودها في المسجد ضرورة.
لماذا تغيب الموضوعية ونتصرف في الأزمات بشكل عاطفي بعيدا عن العقل والحكمة، ونحن المعروفون بالحكمة، أو هكذا نُقل لنا في إفهامنا!

فضائيات ووسائل إعلام متنوعة تقتات على بساطة العرب، وتشحنهم لكسب نسبة مشاهدة أكبر في تسابق محموم يرتقي لدرجة الهوس، من دون النظر بعين الاعتبار إلى أن هذه البساطة ربما تكون قنابل متفجرة تتناثر أشلاؤها نتيجة هذا الشحن الممنهج الذي يصطف معه في مواضع كثيرة رجال حُسبوا على الدين وأهله، وباسم الدين وتحت راياته يخوضون حروبهم المصلحية الشخصية الباحثة عن مناطق يشاركون منها في إدارة المجتمع.

هذا في الوقت الذي يتم فيه تبجيل من أسهم بشكل مباشر في تدمير صورة الإسلام وسماحته في نظر الشعوب من غير أهله.. بل صنع هذا التدمير الكارثي الذي اضطر المسلم لأن يقف موقف المدافع دائما.

إذا نحن من صنعنا هذا، وكما قال المثل العربي «على نفسها جنت براقش».. لذلك أرى بوجوب التحول إلى الداخل، وتغيير طريقة التفكير، والنظرة إلى الآخر من غير المسلمين، أو العرب، ومحاولة التعايش معه بسماحة الدين واعتداله، فهذا هو حديث العقل.

*نقلاً عن "أوان" الكويتية

عودة للأعلى