د.
حسن مدن
يفترض أن الأنفلونزا مرض عادي لا يستدعي قلقاً. ففي السنة الواحدة قد نصاب بها مرات، ولن يستدعي الأمر أكثر من أيام قليلة من الراحة في البيت والإكثار من شرب العصائر الغنية بفيتامين سي، وتسليك حبال الحنجرة ببضع ملاعق من العسل في اليوم، وربما بعض المسكنات من قبيل البندول أو سواه للتغلب على درجة الحرارة التي يمكن أن ترتفع كأحد أعراض الالتهاب، وإذا اقتضى الأمر فإن الطبيب يمكن أن يقرر لنا تعاطي “كورس” من المضاد الحيوي لتقليص أمد المعاناة.
لكن تكرار تفشي الأوبئة خلال السنوات القليلة الماضية بات يشكل ذعراً حقيقياً للبشر من خطورتها، فالطب رغم تقدمه يقف عاجزاً أمام أمراض وأوبئة فتاكة.
يكفي ما عرفناه خلال ما مضى من سنوات من أوبئة جنون البقر والتهاب الجهاز التنفسي اللانمطي الذي عرف اختصاراً بمرض “سارس”، ثم أنفلونزا الطيور وأخيراً أنفلونزا الخنازير، وما تردد عن أنفلونزا النعاج والخرفان.
للدكتور المصري محمد فتحي فرج دراسة مفزعة عما يدعوه “التاريخ الأسود” للأنفلونزا. ففي بدايات القرن العشرين، بين عامي 1918 و1919 حصدت هذه الأنفلونزا ما يتراوح عدده بين 40 إلى 50 مليون إنسان على مستوى العالم، في زمنٍ لم يكن فيه تعداد سكان العالم يزيد على ثلث تعدادهم الحالي، ما يجعل من مخاطر تفشي وباء قاتل منها في زمن اليوم يوقع من الضحايا أكثر بكثير من هذا العدد المخيف، والذي قد لا يبلغ ضحايا مجموعة حروب، وليس حرباً واحدة، مثله.
ويحذر علماء الطب من أن وباء عالمياً ناجماً عن بعض سلالات الأنفلونزا المستجدة قادم لا محالة، ما يمثل تهديداً لحياة الكثير من البشر، ومثل هذا الوباء يمكن أن يأتي قريباً جداً ويمكن أن يتأخر سنوات، مما يقتضي وضع خطط طوارئ لمواجهة هذا الخطر مبكراً، بالعمل على إعاقة مراحله الأولى.
لقد أصبح العالم كله قرية واحدة، كما يقول منظرو ثورة الاتصالات، وليست المعلومات وحدها هي التي تنتقل بسرعة وانسيابية وإنما الأمراض أيضاً، وأفسد جشع الإنسان البيئة ولوثها ما أدى إلى تغييرات مرعبة بيئياً ومناخياً، وزحف الناس إلى بيئات بكر، جعل من الكائنات المسببة للأمراض المستوطنة بها تطور كفاءتها المرضية.
وعلى البشر أن يدفعوا، آجلاً أو عاجلاً، ضرائب باهظة لتهورهم.
نقلا عن "الخليج" الإماراتية
