الجمعة 08 محرم 1431هـ - 25 ديسمبر 2009م

طور جديد في العلاقات العراقية الإيرانية

 

محمد عاكف جمال

مرت العلاقات الحدودية، المائية والبرية، بين العراق وإيران بأطوار مختلفة على مدى التاريخ الحديث، فقد نص اتفاق أرضروم الذي أبرم بين الدولة العثمانية والدولة الفارسية عام 1847، على أن يكون شط العرب بضفتيه تحت السيادة العثمانية التي كان العراق جزءاً منها. واستمر الوضع على حاله في الفترة التي تلت، إذ توصل الطرفان إلى بروتوكول آخر عام 1911 أقر في مادته الثالثة شرعية اتفاق أرضروم.

وحين تأسست الدولة العراقية الحديثة، اتفق الطرفان العراقي والإيراني في معاهدة 1937، التي سميت بمعاهدة الحدود والصداقة وحل الخلافات، على الإقرار بالسيادة العراقية على شط العرب، عدا قسم صغير منه طوله 7 كيلومترات مقابل مدينة عبادان.

إلا أن الخلافات الحدودية، بين العراق وإيران، قد ظهرت بقوة عام 1969 حين أعلنت إيران، ومن جانب واحد، إلغاءها لاتفاقية عام 1937، وطالبت بأن يكون خط منتصف النهر، خط التايلوك، هو الحد الفاصل بين البلدين.

وتصاعدت الخلافات بشكل أكثر حدة، حين نقلت إيران خلافاتها مع العراق من الحدود المائية إلى الحدود البرية، وقامت باحتلال مناطق عراقية متاخمة للحدود بين البلدين، وهي قوس الزين وبير علي والشكرة عام 1972، ووسعت من دورها في إسناد الحركات الكردية المسلحة في شمال العراق، مضاعفة بذلك الضغوط على بغداد ومضعفة لموقفها التفاوضي الذي أفضى إلى اتفاقية الجزائر عام 1975 المجحفة بالحق العراقي.

وحين ألغى العراق اتفاقية الجزائر، من جانب واحد، اندلعت الحرب العراقية الإيرانية عام 1980، وتسببت على مدى السنوات الثماني التي استغرقتها في خسائر كبيرة جداً في الأرواح والأموال في البلدين، وخلفت استحقاقات مؤجلة لم تستوفَ لدى الطرفين.

وها نحن نشهد بعضها في طور جديد من الخلافات الحدودية تديره طهران، من موقع القوة، بطريقة اقتحامية استفزازية.

ورغم أن هناك الكثير من الحوادث اليومية المتقطعة أو المستمرة، تشهدها الحدود العراقية الإيرانية، ورغم أن هناك بعض التعتيم عليها من الجانبين، والتلطيف من قسوتها والتقليل من أهميتها من الجانب العراقي، إلا أن بعضها قد تسرب إلى وسائل الإعلام، أبرزها:

1. القصف المستمر للقرى الحدودية في كردستان.

2. احتلال جزيرة أم الرصاص في شط العرب.

3. الطلب من الحكومة العراقية سحب الجهاز الإداري العامل في ميناء خور العُمية، تمهيداً لإحلال طاقم إيراني بدلا منه، بدعوى وقوع هذا الميناء ضمن المياه الإقليمية الإيرانية.

4. احتلال بئر نفطي في حقل فكة القريب من الحدود بين البلدين، بدعوى أنه يقع في الأراضي الإيرانية. وقد تزامنت مع هذا الحدث مطالبة بعض المسؤولين الإيرانيين، بأن على العراق أن يدفع لإيران تعويضات عن الحرب بين البلدين تصل إلى ألف مليار دولار، وكأن العراق وحده كان مسؤولاً عن استمرار تلك الحرب مدة ثماني سنوات.

والحقيقة أن معظم الخلافات الحدودية التي نوقشت في الاتفاقيات العديدة بين إيران والعراق، تناولت الحدود المائية بشط العرب ولم تتطرق إلى وجود خلافات حول الحدود البرية. ويعتبر تصريح وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري مؤخراً، والذي نص على أن هناك خلافاً كبيراً بين العراق وإيران حول ترسيم الحدود البرية والبحرية، بمثابة قبول عراقي بفتح هذا الملف الجديد، تمهيداً لتنازلات عراقية تقدم للجانب الإيراني.

ورغم أن أياً من الأحداث التي وردت أعلاه يعتبر مساساً كبيراً بمصالح العراق وانتهاكاً خطيراً لسيادته، يترتب عليه أن يتحرك العراق نحو موقف في منتهى الشفافية والوضوح أمام الشعب العراقي وبحجم يتناسب مع خطورته إزاء الجانب الإيراني، إلا أن الحدث الأخير، احتلال البئر النفطي، قد حظي باهتمام أكبر على المستويين الداخلي والخارجي.

1- أحرج الحكومة العراقية إلى حد كبير، فالملف العراقي معقد للغاية ومتشابك مع ملفات أخرى، فبعض دول الجوار مع العراق متهمة بعدم الحيادية وبأنها مسؤولة عن تردي الوضع الأمني، ولم تبخل بغداد في الإفاضة في تصريحاتها التي تدين هذا البعض، إلا أن التدخلات الإيرانية كانت بمثابة خطوط حمراء لا يجرؤ مسؤول عراقي على التطرق إليها.

الحدث الأخير أجبر الحكومة العراقية على الخروج عن صمتها، في محاولة للتخفيف من آثاره والعمل على تجنب تصعيد غير قادرة على مقاربة تداعياته، ولطمأنة الرأي العام العراقي الذي تفاعل مع هذا الحدث، بطريقة أذابت جميع جدران الجليد التي صنعتها أوهام زرعتها في السنوات الأخيرة جهات مشبوهة في الثقافة العراقية، جزأت الشعب العراقي وشرذمته.

2- أحرج الأحزاب والشخصيات الحليفة أو القريبة من إيران في المؤسسة الحاكمة في العراق، فبعضها حرص على الاجتهاد في اختيار العبارات التي لا تدين إيران، بل ذهب إلى حد التعاطف مع مطالبها من خلال حديثه عن وجود حقول نفطية مشتركة بين البلدين، وهو ما لم يجر التطرق إليه في الماضي في الاتفاقيات الحدودية بينهما، علماً بأن العراق قام بحفر عدة آبار في هذا الحقل منذ سبعينات القرن المنصرم، في حين لم تقم إيران بذلك على الجانب الآخر من الحدود، مما يؤكد حق العراق في هذا الحقل وعدم وجود امتداد للمكمن النفطي في الأراضي الإيرانية.

3- أحرج الطرف الأميركي، ووضع علامات استفهام كثيرة حول مصداقية الاتفاقية الأمنية بين العراق والولايات المتحدة. فإيران بموقفها هذا تتحدى الولايات المتحدة وتعمل على جس نبضها للتعرف على ردود أفعالها، ومعرفة مدى استعدادها لعقد صفقة معها على حساب المصالح العراقية، وربما لجرها إلى معارك محدودة محسوبة النتائج.

4- دفع أسعار النفط في الأسواق العالمية إلى الارتفاع، وسط مخاوف من احتمالات تفاقم الخلاف بين البلدين الجارين إلى الحد الذي قد يهدد بانقطاع بعض صادراتهما النفطية.

وإذ تستعرض إيران عضلاتها على حدودها الغربية، وتتصرف من جانب واحد، وتنتهك قواتها الأراضي العراقية في وقت يشهد فيه العراق عجزاً لم يسبق أن كان في مثله في تاريخه، ويفتقر وفق ذلك إلى القدرة على اتخاذ قرار يرقى إلى مستوى التهديد الذي يتعرض له، فإنها، أي إيران، تضع نفسها في موقف قد لا يخدم مصالحها. فاستخدام القوة واحتلال أراضي الغير يزيدها عزلة في المنطقة، ويضعها مجدداُ في موقع المتمرد على الشرعية الدولية.

فقد نصت اتفاقية لاهاي عام 1907 على التسوية السلمية للمنازعات الدولية، وتكرر ذلك في ميثاق عصبة الأمم المتحدة عام 1919، ثم في ميثاق التحكيم الدولي عام 1928. أما ميثاق الأمم المتحدة لعام 1945 الذي شرح مبادئ وأهداف المنظمة الدولية وتضمن تفاصيل القانون الدولي، فقد طالب الدول بالامتناع عن التهديد باستخدام القوة واحتلال الأراضي العائدة لدول أخرى وفق الفقرة الرابعة من المادة الثانية، موصياً بحل المنازعات بالطرق السلمية.

* نقلا عن "البيان" الإماراتية

عودة للأعلى