غسان شربل
وكان باراك أوباما يستعد لخطاب «حال الاتحاد» هذا الأسبوع. يعرف أن الصورة ليست وردية على الإطلاق. وأن شعبيته سجلت انحساراً مريعاً. وأن ارقام البطالة لم تتراجع. وأن ذيول الأزمة المالية شديدة الوطأة. وأن الناخبين عاقبوه في ماساتشوستس. وأعطوا الجمهوريين فرصة دائمة لابتزازه. وأن معركة الضمان الصحي ازدادت تعقيداً. وأن المعركة مع المصارف العملاقة ليست نزهة.
يدرك باراك أوباما أن السنة المنصرمة من ولايته لم تثمر نتائج ملموسة على الصعيد الخارجي. سجلت صورة اميركا تحسناً. ولقيت خطبه استحساناً. ورحب كثيرون بخيار اليد الممدودة والحوار. لكن الملفات المعقدة العالقة بقيت عالقة. وثمة مؤشرات الى أن كثيرين ممن راهنوا على أول رئيس من جذور أفريقية يتجهون اليوم إلى التعب من بائع الأحلام. خاطب جورج بوش العالم بلهجة المحارب والجنرال فتعب العالم منه. خاطبه أوباما كمروج آمال وها هو يسأله عن النتائج.
كان باراك أوباما لحظة انتخابه رجلاً شديد الخطورة على أعداء أميركا. يريد الخروج من العراق. وآليات تعاون مع الدول الكبرى. وحوارات حول الملفات الملتهبة. لا يريد تقسيم العالم فسطاطين. ولا يريد مواجهة مع «محور الشر». ولا يريد تكليف الدبابات الأميركية مهمة زرع الديموقراطية عنوة في هذا البلد أو ذاك. أربكت هذه المقاربة الجديدة خصوم أميركا.
كان أوباما يستعد لإلقاء خطابه حين أطل أسامة بن لادن. الرسالة بسيطة. تبنى زعيم «القاعدة» محاولة تفجير الطائرة الأميركية المتجهة الى ديترويت. أدرجها في باب الرسائل مذكراً بهجمات 11 ايلول(سبتمبر) ووعد بالمزيد منها. عاد الى الاتكاء على الظلم اللاحق بالفلسطينيين. قال إن الأميركيين لن ينعموا بالعيش الهانئ ما دام أهل غزة في أنكد عيش.
لا جديد عملياً في كلام اسامة اذا استثنيا التبني الصريح لمحاولة تفجير طائرة الركاب. الاتكاء على الموضوع الفلسطيني ليس جديداً. لعل الأهم هو ما يتعلق بتوقيت توجيه الرسالة التي تجدد الحرب المفتوحة وإصرار «القاعدة» على السير في برنامج الانقلاب الكبير. برنامج يقوم على إبقاء المواجهة مع أميركا والغرب مشتعلة. والإفادة من نار المواجهة لاجتذاب مزيد من المؤيدين والمحاربين. وتوظيف ردود الفعل الأميركية لتعميق الشرخ بين أميركا والعالم الإسلامي. استنزاف أميركا وإرغامها على إخلاء مواقع في العالم الإسلامي للاستفراد بالدول التي تسعفها المساعدات الأميركية الاقتصادية والعسكرية والأمنية على الوقوف في وجه رياح زعزعة الاستقرار.
جاءت رسالة بن لادن في وقت يتزايد فيه الاعتقاد لدى الجنرالات الأميركيين والأطلسيين باستحالة حسم الحرب في أفغانستان بالوسائل العسكرية خصوصاً في ضوء الاضطراب الذي تعيشه باكستان. وصعوبة تكرار تجربة الصحوات التي جرت في العراق. كما جاءت في وقت نجح فيه بنيامين نتانياهو في استنزاف اندفاعة اوباما وهيبة إدارته. اوباما نفسه اعترف بخطأ في التقدير في هذا الملف. رحلات جورج ميتشل المكوكية لم تعد تحتل الصدارة في نشرات الأخبار. هذا علاوة على عدم ظهور ما يوحي بأن إيران مهتمة فعلاً بالتقاط اليد الأميركية الممدودة.
يمكن القول إن اوباما أضاع في السنة الأولى فرصة القيام بانقلاب كبير على خصوم أميركا في الشرق الأوسط. لا يستطيع ان يكون قوياً تجاه اسامة بن لادن اذا كان ضعيفاً امام نتانياهو. والأمر نفسه بالنسبة الى محمود احمدي نجاد. ببساطة يمكن القول إن الصورة كانت مختلفة بالتأكيد لو أن اوباما استدعى نتانياهو باكراً وأرغمه على سلوك طريق سلام مقنع. انطلاق المفاوضات على كل المسارات ووفقاً للقرارات الدولية لضمان السلام وقيام دولة فلسطينية مستقلة كان يمكن أن يشكل انقلاباً كبيراً في الشرق الأوسط ينزع الورقة الفلسطينية من يد من يتكئون عليها لتمرير برامجهم.
لم تأتِ الطعنة لأوباما من أسامة بن لادن. جاءته من بنيامين نتانياهو. لقد نجح هذا المحارب الأعمى في إحباط انطلاقة أوباما وفي استنزاف الكثير من رصيده.
*نقلا عن "الحياة" اللندنية
