وهذه قضية تستحق أن نتعامل معها بكل جدية، وعلى الصعيدين الرسمي والشعبي. بل إنها يمكن أن تصنف كقضية أمن وطني... على الأقل هي حتماً أهم من زوابع الاختلاط واحتراف الكرة واستهداف "الثوابت"!
حين يعلن مصدر رسمي الأسبوع الماضي أن 70٪ من مواطني المملكة يعانون من زيادة الوزن -وهذه نسبة ساحقة- فإن هذا يعني أن سبعة من كل عشرة مواطنين هم شديدو المرض.. أو مقبلون على الإصابة بأمراض مزمنة. بمعنى أن حوالي ثلاثة أرباع القوى العاملة هي على المحك، وأن ثلاثة أرباع مصالحنا مهدد بالتعطل أو التوقف.. وأن أبناءنا لن يجدوا من يربيهم أو يعلمهم. يعني ببساطة أننا، في الغالب الأعم، شعب مريض مرضاً عضوياً صريحاً. وهذه قضية أمن وطني لا تعني وزارة الصحة وحدها ولا يتحمل وزرها المواطن زائد الوزن وحده.. بل تتحمل إثمها وتبعاتها جهات تنفيذية عدة كما سنرى.
وقبل أن نستطرد فينبغي أن نتجنب الوقوع في الفخ. فالإنسان السمين ليس كائناً شريراً ولا مذنباً. إنه حتماً لا يستحق أن نلومه وحده. كما وأنه لا يستحق الشفقة ولا التعاطف لأنه ليس مصاباً بعاهة مثلاً. السمنة وباء عصري عالمي فاضح. ولنا في أميركا بالذات قدوة في هذا الشأن. لأن الثقافة الأمريكية بكل حيويتها وانطلاقها وطبيعتها الغناء وهوس شعبها بالرياضة و"الأكشن" هي ثقافة سمينة وطافحة بالشحم الزائد. هناك تأخذ المسألة أبعاداً أخلاقية وحقوقية لأن المواطن السمين بات يدافع عن "حقه" في أن يكون حراً في جسده وشكله.
وهذه ردة فعل على الثقافة التلفزيونية التي تمجد القوام الممشوق وتمجد الجسد الأسطوري الذي خلقته إعلانات مستحضرات التجميل ونجوم الغناء والفن. في أميركا تعتبر زيادة الوزن نقيصة! بالرغم من أن معظم الشعب سمين جداً! وبالرغم من أن تلك السمنة خلقتها أساساً ثقافة رأس المال حيث تتحكم بالمشهد كيانات من قبيل (مكدونالدز) و(كوكا كولا) و(جنرال موترز) التي جعلت من جنوب كاليفورنيا حقل تجارب لقياس مدى قدرة الإنسان على الاعتيال على السيارة. هناك فيلم وثائقي لطيف عنوانه (Super Size Me) يتطرق لهذه الإشكالية الأميركية.
نحن سنبقى بالسعودية وحالتها "الخصوصية". وقد يقول قائل إن المثال الأمريكي أعلاه هو بمثابة الحجة. فإذا كان المواطن الأميركي الذي توفرت له نِعم الجو العليل ومساحات الحركة والقدرة على ممارسة الرياضة أينما ووقتما يشاء.. إذا كان هذا المواطن يشتكي من السمنة بشدة، فماذا نقول نحن السعوديين المحاصرين بقيود الطقس والغبار والمجتمع غير المتصالح مع حرية الحركة؟
أنا أقول إن كل هذه الحجج لا تعنينا ولا تكفي لتبرير الكارثة. المواطن البدين هو في النهاية ضحية لمجموعة من الأخطاء والقيود البشرية -وليس الطبيعية- التي خلقت مأساته.
من الواضح أن 70% من مواطنينا يدفعون ثمن تراكم أخطاء التخطيط والتنفيذ في عملية التمنية. بدءاً من حصتي رياضة فقط أسبوعياً بالمدارس وللبنين دون البنات. ومروراً بثقافة غذائية موغلة في الفداحة، وبثقافة صحيّة كان أواخر عزها قبل 30 مع برنامج (سلامتك)، وانتهاء بثقافة تخطيط حَضري افترضت أنه يجب أن يكون لكل مواطن سيارة، وسَلَبت المخططات السكنية من حدائقها الصغيرة ليتحرك بها الناس بلا حرج.
أليس من المثير للسخرية أنه حتى في مدننا التي تتفاخر بتخصيص شوارع لممارسة "غريزة" المشي، فإنك تجد أن هذه الشوارع تنسب لـ"الحوامل" من المواطنات. وكأن شوارع الحوامل هذه لم تكن لتظهر ولم تكن لتقبل بها ضمائرنا لو لم تواجهنا ظاهرة (الحمل) بكل عظمتها وإعجازها؟!
إن هذه النسبة المفزعة -70٪- ينبغي أن تتحرك لها كل أجهزة الدولة.. لأنها كلها مشتركة بشكل أو بآخر في صناعتها. بالأمس احتج الناس لأن مصنعي المشروبات الغازية قد رفعوا سعرها بمقدار 50٪.. الآن ينبغي أن نطالب بأن تفرض الدولة ضرائب بمقدار 500٪ على هؤلاء وعلى مصنعي الحلويات والسكاكر ومطاعم المندي والبخاري والوجبات السريعة.. وأن ترفع الدعم عنها وتحد من فتح فروعها لأن الحمية -لا الرياضية- هي مفتاح الصحة كما يقرر المختصون. يجب على الدولة أن تفعّل من دور الأندية الرياضية الغارقة في عوائد عقود الرعاية والاحتراف، وأن تفتح فروعاً لها بكل المدن والأحياء. يجب أن تُقرر مناهج تربية بدنية حقيقية على الأولاد وعلى البنات بالمدارس والجامعات بدون الالتفات للذي يثار في هذا الشأن. ويجب أن نتبنى سياسة صحية على مستوى المملكة بأسرها.. كلنا ولا أستثني أحداً.. لأن 70٪ هي نسبة غالبية ساحقة يفترض أن تتبعها الأقلية وفق معايير الديمقراطية والشورى والبداهة.
المسألة حقيقية وليست هزلاً. ومن المدهش أن تقوم الدنيا وتقعد على وباء عارض مثل أنفلونزا الخنازير، فيما يُعامل وباء راسخ وأكيد كالسمنة بكل هذا التجاهل. 70٪ من المواطنين سيعانون من أمراض المفاصل والظهر، وأمراض التنفس، والسكري الذي قد يُفضي لبتر الأطراف، والغدد الصماء أيضاً. 70٪ من المواطنين مهددون بأن تسكت قلوبهم أو تتعطل بسبب الشحوم التي تغطيها وطبقات الكوليسترول التي تسد شرايينها، ومهددون بجلطات الدماغ وببعض أشكال السرطان أيضاً. 70% من أفراد شعبنا العربي المسلم مهددون بقصر العمر وخمول الهمة. وهم سيكلّفون الدولة مبالغ طائلة.. أكثر مما تدفع لتعليمهم وتوظيفهم.. كي يتعالجوا من أمراض السمنة القاتلة هذه.
هل يعرف المواطن السعودي كيف يحسب كم سعرة حرارية في وجبته؟ وكم عليه أن يستهلك في يومه؟ هل يعرف كيف يحسب خطورة وضعه بحسب (مؤشر كتلة الجسم- BMI)؟ هل نعي خطورة الموضوع حين نتفاخر بسمنة أبنائنا.. وبامتداد طاولات طعامنا؟ وهل ندرك.. حين نتواجه بثقافتنا الدينية الخارقة.. أننا نوغل في الإثم حين نكدس الشحوم تحت جلودنا، ونخنق بها أعضاءنا وقلوبنا؟!
*نقلاً عن "الوطن" السعودية