المهتمون بالعلوم الاجتماعية والتربوية يدركون أكثر من غيرهم أن البحث في مفاهيم غير محددة أمر يكاد يكون مستحيلا، بل إنه أول خطوات الفشل بسبب عدم الوضوح وعدم تحديد المقصود بهذه المفاهيم. والأمن الفكري الذي كثر الحديث عنه في الفترة الأخيرة أحد هذه المفاهيم التي يكتنفها الغموض، فالأمن الفكري يختلف حسب المنظور الذي يستخدمه الفرد، فالسياسي ينظر إليه من المنظور الذي يخدم السياسة في الدرجة الأولى، في حين أن هناك من يراه بمنظور ديني أو أيديولوجي وبمعزل عن الاعتبارات الأخرى، فالأمن الفكري لدى هؤلاء هو ما يخدم هذه الأيديولوجيا التي يؤمنون بها ويرون أن كل من يخالفها في حاجة إلى تحصين فكري من أجل إبقائه تحت عباءة الوصاية ومن أجل ضمان استمرار تبعيته وخضوعه للأيديولوجيا المراد خدمتها فقط.
في حين أن المثقفين والمفكرين يشاهدونه بمنظور آخر بعيدا عن المنظور السياسي والديني ولديهم رؤى وأفكار خاصة بهم ربما ينظر إليها على أنها أفكار تغريبية من قبل البعض وتشكل خطرا على المجتمع ويجب تحصينه فكريا ضدها.
ولذلك نجد أن الأمن الفكري أصبح لغزا محيرا ومعادلة رياضية بالغة التعقيد ومصطلحا غير واضح يستحيل تحديده بشكل دقيق مهما حاول البعض إقناعنا بأنهم يمتلكون الوصفات الناجعة للأمن الفكري وأن لديهم براءة اختراع لجرعات علاجية لتحصين الفكر، حيث إن وصفة الأمن الفكري لدى هؤلاء أشبه بالحصول على مضاد حيوي من الصيدلية. ومهما حاول البعض تسويق هذه الوصفات فلن يكتب لها النجاح لأنها تفتقد أرضية مشتركة وتفتقد أسلوبا متفقا عليه في التشخيص.
والمشكلة الأخرى التي تواجه الأمن الفكري في المجتمع السعودي أن كل شخص لديه مفهومه الخاص، حتى شاهدنا أشخاصا يتحدثون عن الأمن الفكري في الوقت الذي ينظر إليهم من قبل البعض على أنهم هم الخطر الفكري الحقيقي الذي ينبغي التخلص منه.
من يريد أن ينجح في مجال الأمن الفكري فعليه أن يمتلك الجرأة في التصريح بدلا من التلميح، وأن يمتلك الجرأة في رسم منهج معلن وواضح لا يقبل الخلط ولا المواربة، فغياب هذا المنهج جعل كل شخص لديه تعريف خاص به.
وهذا يطرح تساؤلا منطقيا يتبادر إلى ذهن القادم إلى مجتمعنا من هو الطرف الآخر بالتحديد؟ من هم الأشخاص الذين وجودهم خطر على الفكر ونريد أن نؤمن عقول أولادنا وشبابنا منهم؟ من هم المتطرفون الذين جميعنا ندعوهم للوسطية والاعتدال الفكري؟ فهل نمتلك القدرة والشجاعة على تحديد من نقصدهم؟ هل نحن قادرون على تسمية الأمور بمسمياتها دون مواربة أو مجاملة؟ وهل نحن قادرون على القيام بتتبع تاريخي للأشخاص الذين أوصلونا إلى هذا الحد؟
هل نحن قادرون على استبعاد من يشكلون خطرا على الفكر حتى لو كانوا يعتقدون أنهم فرسان في تحقيق الأمن الفكري؟ وهل نحن قادرون على مصارحتهم دون مجاملة زمانية أو مكانية؟
يجب أن نعلم أن هناك أشخاصا لا يبدعون إلا في الفوضى والقفز على المبادئ وركوب كل موجه ومحاولة التشويش على من يريد أن يتتبع الأفكار المنحرفة بشكل سليم ورمي التهم على الآخرين لينجوا بأنفسهم.
ونقول لهم إننا خلال هذا الكم الهائل من التنظير لم نسمع من يتكلم عن مؤشرات ملموسة قابلة للقياس مثل معرفة وجهة نظر المجتمع السعودي أو الشباب على وجه التحديد حول قضايا حساسة مثل موقف الشباب ومدى فهمهم للجهاد، والوطنية، ونظرتهم لغير المسلمين، وتكفير الآخرين، وقتل غير المسلمين، وتدمير الممتلكات العامة، وطريقة إنكار المنكر، واحترام الثوابت الدينية، واحترام الأنظمة التي تصدرها الدولة، واحترام المشايخ والرموز الدينية لجميع الطوائف الإسلامية، واحترام المعاهدات والمواثيق الدولية، يضاف إلى ذلك احترام الطوائف والفرق الإسلامية الأخرى، والحديث عن المؤامرة والتخوين وتوجيه تهم التطرف والعلمنة والتغريب والتشدد والإرهاب والقائمة تطول من المفاهيم التي تحتاج إلى وقفات صادقة.
*نقلا عن "الوطن" السعودية