في الثاني من شهر آب الماضي خرج الزعيم الدرزي الابرز وليد جنبلاط "رسمياً" من فريق 14 آذار وظل على علاقة جيدة بزعيمه النائب سعد الحريري الذي صار لاحقاً رئيساً لحكومة التوافق الوطني في لبنان. لكن لم يغب عنها الحذر والتحوط عند الاثنين عن هذه العلاقة.
ومنذ ذلك التاريخ وهو يسعى الى ترتيب علاقاته مع جهتين قويتين ومهمتين جداً واحدة لبنانية وأخرى اقليمية وتحديداً عربية. الاولى، هي "حزب الله" قائد فريق 8 آذار ومالك القدرات المتنوعة من سياسية وشعبية ومالية وامنية وعسكرية على الساحة اللبنانية. وترتيب العلاقة معه يحقق هدفين مهمين جداً لزعيم المختارة: الاول، ازالة الاخطار التي يرتبها الاختلاف معه عليه وعلى شعبه، وقد خبر ذلك عملياً في ايار 2008.
والثاني، مساعدته في وصل علاقته المقطوعة مع سوريا منذ اواخر 2004. اما الجهة الثانية فهي سوريا بشار الاسد صاحبة النفوذ الواسع، بالاشتراك مع الجمهورية الاسلامية الايرانية طبعاً، داخل فريق 8 آذار بقدامى اعضائه والجدد، التي خاض جنبلاط وحلفاؤه ضدها حرباً شرسة والتي يحاول الآن، وإن منفرداً، العودة الى كنفها والتظلل بجناحيها بعدما فشلت الحرب المذكورة ونجحت هي وحلفاؤها في قلب ميزان القوى اللبناني لمصلحتهم.
طبعاً قابلت الجهتان المذكورتان اعلاه اي "حزب الله" وسوريا بشار الاسد رغبة جنبلاط بل مسعاه لاعادة التواصل معهما بترحاب فعلي ضمني ممزوج بشكٍ علني وبرغبة شبه معلنة في تعريضه لامتحانات قاسية وربما ماسة بسمعته وزعامته وقوته ودوره وشعبيته، وذلك لاختبار جديته في خيار العودة الى الصف "الوطني والقومي والاسلامي" ولضمان عدم انقلابه على هذا الصف مستقبلاً اذا طرأت ظروف وحصلت تطورات جعلته يقتنع بان "التغلب" على اعداء الامس وحلفاء ما قبل الامس لم يعد مستحيلاً. وفي اثناء الامتحانات المذكورة والاختبار تحرك اكثر من طرف حليف لـ"الحزب" ولسوريا لترتيب عودة "الابن الضال". واسْتُعْمِل هؤلاء كلهم من الجهتين المذكورتين، وبرضاهم، في الامتحانات والاختبار. ونجح جنبلاط في المرحلة الاولى، وان بعد مرور اسابيع كثيرة في اعادة الثقة الى علاقته بـ"حزب الله" بل في اعادة ثقة الحزب به. وبدأت المرحلة الثانية اي مرحلة توسط الحزب وحده مع النظام السوري في موضوع العودة الجنبلاطية الى "العائلة" وذلك نظراً الى ان العلاقة التي تربطهما هي اوثق من علاقة سوريا بأي طرف آخر، على الصعيد اللبناني طبعاً. وظن وليد بك ان المصالحة لم تعد بعيدة وخصوصاً بعدما التقى الامين العام لـ"الحزب" السيد حسن نصرالله وابدى استعداداً لاتخاذ مواقف والاقدام على خطوات تمحو "اساءاته" الى الرئيس الاسد والشعب السوري وتنسجم مع الخط السياسي العام اللبناني والعربي الذي ينتهجه الاول.
الا ان ما كان ينتظره على احرّ من الجمر كما يقال لم يتحقق بالسرعة التي يريد. فساورته الظنون والهواجس والشكوك و"تنقّز" كثيراً اذا جاز التعبير على هذا النحو، وتساءل كثيراً عن اسباب التأخير، واحياناً عما اذا كانت هناك رغبة فعلية سورية في فتح صفحة جديدة معه. وتساءل ايضاً اذا كان "حزب الله" مصدر تأخير عودته الى "جادة الصواب". ويرجح البعض ان يكون حاول الحصول وبوسائل عدة على اجوبة دقيقة عن تساؤلاته. وحصل على اجوبة. وكانت كلها مطمئنة الى النيات والرغبة والى حتمية حصول المصالحة. لكن اياً منها لم يكن حاسماً في موضوع التاريخ. اذ ابقى الرئيس الاسد توقيت المصالحة لنفسه. وعندما راح جنبلاط ابعد في "اعتذارياته" الشخصية من على منبر تلفزيون "الجزيرة" مساء يوم السبت الماضي كان في ظنه وفق كثيرين آخرين ان "النهاية السعيدة" صارت في متناول اليد. ورغم انها قد تكون في مستقبل غير بعيد باعتبار ان المدة التي مرت على "الاعتذاريات" ليست طويلة على الاطلاق فان "التنقّز" والتساؤل عادا الى عقول اللبنانيين من كل الاطراف والسياسيين وربما الى وليد بك نفسه وخصوصاً بعد التعليق السلبي والايجابي في آن واحد على كلامه لجريدة "الوطن" السورية وبعد الكلام الانتقادي عن استمراره في تموضعه السياسي والوطني البادىء منذ 2004 او على الاقل عن وسطيته باعتبار ان الوسطية غير مقبولة بين فريق يواجه اسرائيل وفريق يضم في صفوفه ربما من يراهن عليها او على حليفتها اميركا.
في اختصار لم يكن رد فعل سوريا سلبياً على "اعتذاريات" جنبلاط. فأحد المحامين السوريين اسقط حقه الشخصي في دعوى اقامها عليه لتحريضه اميركا على احتلال سوريا وضرب نظامها. ويعرف الجميع ان ذلك ما كان ليحصل لولا ضوء اخضر ما من احد مكاتب "السلطة" الحاكمة في دمشق، لكنه لم يكن ايجابياً ايضاً او لم يكن مكتمل الايجابية. فهل يعني ذلك ان وليد بك سيمر في فترة اختبار وانتظار جديدة وطويلة؟ لا احد يعرف. لكن من يعرفون النظام السوري وخصوصاً بعد الذي حصل له في لبنان عام 2005 بسبب ممارساته الطويلة على ارضه ومع شعوبه - يعرفون انه لم يقبل الوسطية في لبنان يوماً من القادة اللبنانيين بينه وبين اخصامه سواء داخل لبنان او في العالم العربي او في المنطقة او في العالم. ويعرفون تالياً ان وسطية جنبلاط التي ظهرت على شاشة "الجزيرة" تمس جوهر استراتيجيا سوريا اللبنانية – السورية – العربية – الاقليمية. فـ"الهدنة" مع اسرائيل امر مرفوض حتى الآن. ودمج المقاومة بالجيش وان بعد ذلك زمن امر مرفوض الكلام عنه الآن. ومسؤولية الدولة عن لبنان امر مرفوض دائماً. وقيام جبهة عربية واسعة عسكرية ضد اسرائيل، كي لا يبقى لبنان وحده في ساحة المقاومة، امر ممنوع الآن او بالاحرى مستحيل.
انطلاقاً من ذلك، يتساءل العارفون انفسهم اذا كانت سوريا بشار الاسد ستقبل عودة جنبلاط الآن ولكن بعد قبوله التخلي عن الوسطية المذكورة. او اذا كانت ستعرِّضه للمزيد من الاختبارات السياسية وربما الميدانية كي يحدد خياره النهائي. ويلفتون في هذا المجال وفي معرض تأكيدهم رفض سوريا وسطية جنبلاط الى رفضها الشديد وسطية العماد ميشال سليمان بعد انتخابه رئيساً للجمهورية قبل اقل من سنتين والى عدم استحسانها وسطية حليفها او صديقها الرئيس السابق نجيب ميقاتي.
(•) ملاحظة: لا يعني تحديد موعد للزعيم الدرزي الأبرز وليد جنبلاط لزيارة دمشق أن "الوسط" صار مقبولاً من القيادة السورية.
*نقلاً عن "النهار" اللبنانية